مع الشروق : مدارس الصحّة.. بوابة الهجرة !
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/07
على غرار هجرة الأطباء، تشهد تونس موجات متصاعدة من هجرة الممرضين، في ظاهرة باتت تهدد أحد أهم أعمدة المنظومة الصحية، وتزيد من حدة النقص في الكفاءات داخل المستشفيات والمؤسسات العمومية.
أرقام حديثة تكشف أن 84.6 % من الممرضين المشاركين في دراسة ميدانية اعتبروا ضعف الأجور السبب الأول للهجرة، بينما أرجع 57.7 % تفكيرهم في الرحيل إلى غياب التكوين المستمر، وأكد 53.8 % أن ظروف العمل نفسها لم تعد محتملة. وفيما تتصدر ألمانيا قائمة الوجهات الأكثر جذباً، تليها كندا وإيطاليا.
هذه الأرقام تؤكد أن تونس بدأت تخسر موردا بشريا عالي الكلفة من حيث التكوين، وعظيم القيمة من حيث الأدوار. فالممرض التونسي — شأنه شأن الطبيب — ليس مجرد إطار عادي، بل هو ثمرة مدارس صحية وتكوين مهني وجامعي عميق رصين، وهو ما جعل مستواه محط طلب واسع في الخارج ، لذا لم يكن غريبا أن تتهافت عليه الدول الأوروبية للظفر بكفاءات جاهزة ومؤهلة وقادرة على الاندماج السريع في أنظمتها الصحية.
هذا الواقع ، ألقى بظلاله على مدارس الصحة ، فالإقبال عليها لم يعد إقبالا عاديا، بل أصبحت هذه المؤسسات تستقطب أصحاب المعدلات المرتفعة جدا ، فيما تشهد مؤسسات التكوين الصحي الخاصة إقبالا كبيرا من الطلبة والعائلات، إلى درجة أن الحصول على مقعد دراسي أصبح وفق ما يتداوله البعض، أمراً صعباً في بعض الحالات، وسط حديث عن تدخل الوساطات أحياناً ، وهو ما يؤكد أن مهن الصحة لم تعد خيارا دراسيا عاديا، بل أصبحت من أكثر المسارات استقطاباً للطلبة المتفوقين.
عدد كبير من شبابنا باتوا ينظرون إلى مدارس الصحة باعتبارها جسرا مضمونا وآمنا نحو الهجرة أولا، وطريقا للسباق نحو المال والاستقرار ثانيا ، وهذه الفكرة، وإن كانت مؤلمة، تعكس واقعاً صارخاً: فحين لا يجد أصحاب المآزر البيضاء داخل وطنهم الأجر اللائق والظروف المناسبة، يصبح الخارج هو الخيار الأقرب ، وهكذا تتحول المهنة من رسالة نبيلة وخدمة عامة إلى وسيلة للعبور نحو مستقبل أفضل.
والثابت ان كل ممرض - بعضهم بكفاءة طبيب - يغادر يترك وراءه شغورا في المستشفى العمومي ويضع عبئاً إضافيا على كاهل زملائه، ويزيد من معاناة المرضى المنتظرين لخدمة أسرع وأجود. ومع استمرار نزيف هجرة الأطباء أيضاً، تكتمل معالم أزمة شاملة قد تضرب القطاع الصحي من الداخل، لتكشف أن الخلل لم يعد محصورا في نقص الإطارات فحسب، بل في هيكلية المنظومة بأكملها.
صحيح أن هذه الكفاءات تساهم في ضخ العملة الصعبة عبر التحويلات المالية، لكن ذلك يظل مكسبا محدودا إذا ما قورن بالخسارة الوطنية الكبرى ، فالمواطن بحاجة إلى رعاية صحية ناجعة هنا والآن، لا إلى تعويضات مالية غير مباشرة لا تعالج النقص الحاد في الإطار الطبي وشبه الطبي او بأسلوب أدق الاطار الصحي.
ظاهرة هجرة الممرضين جرس إنذار يعكس أزمة حقيقية في العدالة الاجتماعية، وفي تقييم الكادر الصحي، وفي قدرة الدولة على صون كفاءاتها وإذا لم تتدارك السلطات المعنية الوضع بمعالجات هيكلية سريعة تضمن كرامة المهنيين وظروف عملهم، فإن المستشفيات العمومية ستواصل نزيف عناصرها الأساسية، فيما تستمر الدول الغنية في استنزاف ما درّبته تونس بجهدها ومقدراتها.
راشد شعور
على غرار هجرة الأطباء، تشهد تونس موجات متصاعدة من هجرة الممرضين، في ظاهرة باتت تهدد أحد أهم أعمدة المنظومة الصحية، وتزيد من حدة النقص في الكفاءات داخل المستشفيات والمؤسسات العمومية.
أرقام حديثة تكشف أن 84.6 % من الممرضين المشاركين في دراسة ميدانية اعتبروا ضعف الأجور السبب الأول للهجرة، بينما أرجع 57.7 % تفكيرهم في الرحيل إلى غياب التكوين المستمر، وأكد 53.8 % أن ظروف العمل نفسها لم تعد محتملة. وفيما تتصدر ألمانيا قائمة الوجهات الأكثر جذباً، تليها كندا وإيطاليا.
هذه الأرقام تؤكد أن تونس بدأت تخسر موردا بشريا عالي الكلفة من حيث التكوين، وعظيم القيمة من حيث الأدوار. فالممرض التونسي — شأنه شأن الطبيب — ليس مجرد إطار عادي، بل هو ثمرة مدارس صحية وتكوين مهني وجامعي عميق رصين، وهو ما جعل مستواه محط طلب واسع في الخارج ، لذا لم يكن غريبا أن تتهافت عليه الدول الأوروبية للظفر بكفاءات جاهزة ومؤهلة وقادرة على الاندماج السريع في أنظمتها الصحية.
هذا الواقع ، ألقى بظلاله على مدارس الصحة ، فالإقبال عليها لم يعد إقبالا عاديا، بل أصبحت هذه المؤسسات تستقطب أصحاب المعدلات المرتفعة جدا ، فيما تشهد مؤسسات التكوين الصحي الخاصة إقبالا كبيرا من الطلبة والعائلات، إلى درجة أن الحصول على مقعد دراسي أصبح وفق ما يتداوله البعض، أمراً صعباً في بعض الحالات، وسط حديث عن تدخل الوساطات أحياناً ، وهو ما يؤكد أن مهن الصحة لم تعد خيارا دراسيا عاديا، بل أصبحت من أكثر المسارات استقطاباً للطلبة المتفوقين.
عدد كبير من شبابنا باتوا ينظرون إلى مدارس الصحة باعتبارها جسرا مضمونا وآمنا نحو الهجرة أولا، وطريقا للسباق نحو المال والاستقرار ثانيا ، وهذه الفكرة، وإن كانت مؤلمة، تعكس واقعاً صارخاً: فحين لا يجد أصحاب المآزر البيضاء داخل وطنهم الأجر اللائق والظروف المناسبة، يصبح الخارج هو الخيار الأقرب ، وهكذا تتحول المهنة من رسالة نبيلة وخدمة عامة إلى وسيلة للعبور نحو مستقبل أفضل.
والثابت ان كل ممرض - بعضهم بكفاءة طبيب - يغادر يترك وراءه شغورا في المستشفى العمومي ويضع عبئاً إضافيا على كاهل زملائه، ويزيد من معاناة المرضى المنتظرين لخدمة أسرع وأجود. ومع استمرار نزيف هجرة الأطباء أيضاً، تكتمل معالم أزمة شاملة قد تضرب القطاع الصحي من الداخل، لتكشف أن الخلل لم يعد محصورا في نقص الإطارات فحسب، بل في هيكلية المنظومة بأكملها.
صحيح أن هذه الكفاءات تساهم في ضخ العملة الصعبة عبر التحويلات المالية، لكن ذلك يظل مكسبا محدودا إذا ما قورن بالخسارة الوطنية الكبرى ، فالمواطن بحاجة إلى رعاية صحية ناجعة هنا والآن، لا إلى تعويضات مالية غير مباشرة لا تعالج النقص الحاد في الإطار الطبي وشبه الطبي او بأسلوب أدق الاطار الصحي.
ظاهرة هجرة الممرضين جرس إنذار يعكس أزمة حقيقية في العدالة الاجتماعية، وفي تقييم الكادر الصحي، وفي قدرة الدولة على صون كفاءاتها وإذا لم تتدارك السلطات المعنية الوضع بمعالجات هيكلية سريعة تضمن كرامة المهنيين وظروف عملهم، فإن المستشفيات العمومية ستواصل نزيف عناصرها الأساسية، فيما تستمر الدول الغنية في استنزاف ما درّبته تونس بجهدها ومقدراتها.
راشد شعور