مع الشروق : عندما خسرت كرة القدم أمام السياسة!

مع الشروق : عندما خسرت كرة القدم أمام السياسة!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/11

بينما يقترب مونديال 2026 من إسدال الستار على واحدة من أكثر نسخه إثارة للجدل، لم يعد الحديث مقتصرا على هوية البطل أو مفاجآت النتائج، بل امتد إلى قضية أكثر عمق تمسّ جوهر اللعبة نفسها.  فقد كشفت هذه البطولة، في أكثر من مناسبة، أن كرة القدم لم تعد بمنأى عن التجاذبات السياسية، وأن مبدأ العدالة الرياضية، الذي يفترض أن يكون الركيزة الأساسية لكأس العالم، تعرّض لاختبار غير مسبوق. فكأس العالم لا يستمد مكانته من البلد المنظم وامكانياته او الملاعب العملاقة او العائدات المالية او الأرقام القياسية في نسب المشاهدة، وإنما من كونه البطولة التي يفترض أن يدخلها الجميع بالشروط نفسها، وأن تُحسم نتائجها وفق ما يقدمه اللاعبون داخل المستطيل الأخضر، لا وفق اعتبارات سياسية أو حسابات تتجاوز حدود الرياضة. غير أن ما رافق مونديال 2026 كان خطيرا جدا وألقى بظلال كثيفة على هذه الصورة، بعدما تراكمت وقائع أثارت تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين المنتخبات والجماهير.
وعلى سبيل المثال، خاض المنتخب الإيراني البطولة في ظروف سياسية استثنائية ألقت بظلالها على مشاركته، بينما واجه آلاف المشجعين، خصوص من الدول العربية والأفريقية والإسلامية، عراقيل في الحصول على التأشيرات وإجراءات الدخول، ما حرم كثيرين من مؤازرة منتخباتهم في الحدث الكروي الأكبر. ولم تتوقف مظاهر الجدل عند هذا الحد، بل ازدادت بعد منع حكم صومالي اختارته "فيفا" بشكل رسمي من دخول الولايات المتحدة، في واقعة وضعت الاتحاد الدولي أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على حماية استقلالية بطولته وقراراته.
وداخل الملاعب، لم تسهم القرارات التحكيمية في تهدئة الأجواء، بل أصبحت بدورها محور للانتقادات. فقد أثارت عدة قرارات اعتراضات واسعة، ودفعت عددا من المنتخبات إلى التشكيك في اتساق المعايير التحكيمية. وكان مدرب المنتخب المصري من أبرز المنتقدين، معتبرا أن فريقه تضرر من أخطاء أثرت في مجريات المباراة ونتيجتها.
أما الواقعة التي ألقت بأكبر قدر من الشكوك على صورة البطولة، فتمثلت في إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تواصله مع رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو بشأن البطاقة الحمراء التي تلقاها أحد لاعبي المنتخب الأمريكي، قبل أن يُعلَّق تنفيذ العقوبة لاحقا. وبصرف النظر عن تفسير ظروف هذا التدخل الفج، فإن ظهوره بهذا الشكل أضر بصورة استقلالية القرار الرياضي..
لقد رفعت "فيفا" لعقود شعار فصل الرياضة عن السياسة، غير أن مونديال 2026 كشف أن هذا الشعار أصبح في حاجة إلى ما يترجمه على أرض الواقع.. فاستقلالية اللعبة لا تُقاس بالتصريحات، وإنما بقدرة المؤسسة المشرفة عليها على حماية البطولة من أي تأثير خارجي، وتطبيق القواعد على الجميع بالمعيار نفسه، دون تمييز بين منتخب كبير وآخر صغير، أو بين الدولة المضيفة وغيرها.
لقد تجاوز الجدل الذي أحاط بمونديال 2026 حدود النتائج وأسماء المتأهلين، ليطرح تساؤلات أعمق حول عدالة المنافسة واستقلالية القرار الرياضي. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في خطأ تحكيمي أو قرار إداري معزول، بل في اهتزاز الثقة بأن جميع المنتخبات تخوض البطولة في ظل قواعد واحدة وفرص متكافئة. وعندما تتداخل الاعتبارات السياسية مع الشأن الرياضي، أو يترسخ الانطباع بأنها قادرة على التأثير في مساره، فإن الخاسر لا يكون منتخبا بعينه، بل القيمة التي جعلت من كأس العالم رمزا عالميًا للعدالة الرياضية. فحين تتراجع هيبة القانون أمام أي تأثير خارجي، تفقد كرة القدم أهم ما يمنحها مكانتها وهي ثقة العالم في نزاهة المنافسة وعدالة اللعبة.
ناجح بن جدو 
 

تعليقات الفيسبوك