مع الشروق : عالق.. في مضيق هرمز!!

مع الشروق : عالق.. في مضيق هرمز!!

تاريخ النشر : 21:18 - 2026/09/01

بين جولات صعبة، تتقدم خطوة لتتراجع خطوات.. وبين تصعيد كلامي تتبعه ضربات عسكرية محسوبة بعناية كي توجه الرسائل ولا تقلب طاولة المفاوضات.. تمضي العلاقات بين أمريكا وإيران.. شدّ وجذب وكأنه مبرمج لإبقاء الحبل مشدودا.. إذا شدّت أمريكا، ترخي إيران وإذا شدّت إيران ترخي أمريكا...
وبالمحصلة تبقى حركة العبور في مضيق هرمز مضطربة إن لم نقل منقطعة ويحبس العالم أنفاسه مع كل «طلقة كلامية» ومع كل مناوشة عسكرية حيث تتسارع أرقام الأسهم في البورصات العالمية وترتفع أسعار النفط وتكاليف التأمين البحري.. وتضطر الشعوب لدفع فاتورة حرب أشعلها ترامب في لحظة زهو وغرور وبدفع من حليفه وشريكه في الجريمة نتنياهو متصورا أنها مجرد نزهة لا يفتأ أن يعود بعدها بوصاية على نفط إيران وبالجائزة الكبرى ممثلة في إسقاط النظام وتهيئة إيران لمشرط «التقسيم وإعادة التشكيل».. قبل أن يكتشف أنه وقع في مستنقع وغرق في رمال متحركة لا مخرج منها...
وبالنتيجة بدا الصراع بين أمريكا وإيران صراعا بلا أفق ـ الطرفان يعلنان الانتصار على الميدان.. إعلان تكذّبه ثمرة المفاوضات على الطاولة أو بالوساطة.. وبما أن القاعدة تقول بأن المفاوضات هي استمرار للمواجهات العسكرية لكن بطريقة أخرى فإن كلا الطرفين يحتاجان إلى عنوان حاسم لنصر بيّن يمكنه البناء عليه وقطف ثماره على طاولة المفاوضات... لكن الإشكال أن هذا العنوان غائب وورقة النصر مشتتة بين واشنطن وطهران وهو ما يحكم على هذه الحرب بأن تبقى صفحة مفتوحة.. وبأن تبقى حركة العبور في مضيق هرمز في ميزان التجاذب بين طرف أمريكي يطلق التصريح ونقيضه بأنه أرخى قبضة إيران وحرّر المضيق وضمن حرية العبور.. وبين طرف إيراني يؤكد العكس ويرسل الرسائل النارية اللازمة لكي يجعل العالم يفهم أن كلام ترامب حول «تحرير المضيق» لا يعدو كونه مجرد مهاترات سياسية وتصريحات للاستهلاك لدى الرأي العام الأمريكي ولدى الفاعلين في البورصات الدولية.
والنتيجة أن الصراع يراوح مكانه.. لا أمريكا التي تجرعت كأس الهزيمة والانكسار قادرة على استعادة هيبتها كقوة امبراطورية تهيمن على العالم وإحراز نصر عسكري واضح يفضي إلى كسر إرادة النظام في إيران وإجباره بالتالي على الاستسلام ورفع قبضته من على رقبة مضيق هرمز، ولا إيران في المقابل قادرة عسكريا على إلحاق هزيمة كاسحة بهذا الغول الأمريكي الذي يدرك أن هزيمته أمام إيران وبقاء المضيق تحت سيطرة إيران وشريكها الجغرافي سلطنة عمان هو بمثابة انهيار لإيران وإعلان وفاة للأحادية القطبية ومعه نهاية الهيمنة الأمريكية على العالم وهو ما ينتظره بل وما يسعى إليه التنين الصيني والدب الروسي اللذان ينتظران لحظة صراخ أمريكا أولا في صراع قضم الأصابع الذي تخوضه مع إيران...
ما هي أفق الصراع إذن؟ وكيف الخروج من هذه المعادلة التي تفرض تأبيد الصراع في ظل تكافؤ أوراق الضغط التي يمتلكها الطرفان والتي تكفي فقط لإدارة الصراع وليس لحسمه لصالح أي من الطرفين.. أمريكا تناور بضربات محسوبة تدرك أنها أضعف من أن تفضي إلى كسر إرادة إيران.. فتضاعفها بحملات تهديد ووعيد وترفدها بالمزيد من العقوبات الاقتصادية عساها تنجز بالاقتصاد ما عجزت عن إنجازه بالقوة.. أما إيران فهي تراهن على عامل الزمن لاستنزاف الدابة الأمريكية.. فهي تدرك أن الانتشار الميداني للآلة الحربية الأمريكية مكلف جدا.. وتدرك أن التحكم في ورقة مضيق هرمز يتيح لها فرصة التحكم في عدادات توزيع البنزين للمستهليكين الأمريكيين وتدرك أن اضطراب سوق النفط والتأمين يدمر أعصاب ومصالح شركاتها الكبرى ومعها أعصاب ومصالح حلفائها الذين يجبرون على تحمل تبعات حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ودخلها ترامب طمعا في نفط إيران ونصرة لحليفه نتنياهو فإذا هو يغرق في رمال إيران المتحركة ويغرق معه كل العالم في أزمة اقتصادية خانقة تهدّد الاقتصاد العالمي بالانهيار... ثم إن إيران تراهن على ورقة الانتخابات النصفية التي قد تقصّ أجنحة ترامب وتحيله إلى «بطة عرجاء» سوف يصبح التعاطي معها أسهل في حال خسارة ترامب والجمهوريين لانتخابات التجديد النصفية في نوفمبر القادم...
وبالنتيجة فإنه محكوم على هذا الصراع بأن يظل يراوح مكانه في ظل تكافؤ أوراق الضغط وافتقار كلا الطرفين للقدرة على إلحاق الهزيمة بخصمه في صراع كسر الإرادات.. وضع يبقي العالم رهينة لحرب عبثية أشعلها ترامب ومعه نتنياهو وعجز عن حسمها أو الخروج منها.. لأنه باختصار غرق في المستنقع الايراني كما غرقت أمريكا بالأمس في مستنقعات العراق وأفغانستان وفيتنام.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك