مع الشروق : صالونات التّشغيل الأجنبية ...تونس تزرع وهم يحصدون
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/04
نظّمت غرفة التجارة والصناعة التونسية الألمانية منذ أيّام بالعاصمة صالون التشغيل الخاص في دورته الأولى للسنة الحالية. ويُموَّل هذا الصالون من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، بدعم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي. وينشط منذ أكثر من عشر سنوات ببلادنا، ويعمل على تسهيل الربط المباشر بين الكفاءات التونسية والمؤسسات المنتصبة في تونس أو المشغِّلة في ألمانيا.
ويُعدّ صالون التشغيل الألماني تقليدا يُنظّم مرتين في السنة (الدورة القادمة في سبتمبر 2026)، ويهدف إلى توفير فرص مباشرة لفائدة الباحثين عن شغل، وفتح قنوات التواصل بين الكفاءات والمؤسسات المشغِّلة، من خلال جمع مطالب التشغيل، والسير الذاتية، وإجراء اختبارات المهارات، أو الانتداب المباشر في قطاعات متنوعة، منها تكنولوجيا المعلومات، والصناعة، والمالية، والصحة، والتجارة، والتعليم، وقطاع البناء والأشغال العامة.
وضمن هذا الحدث، شاركت 52 مؤسسة تونسية وألمانية، من بينها 10 مؤسسات قدِمت خصيصًا من ألمانيا لإجراء عمليات انتداب مباشرة، وتوفير أكثر من 1000 فرصة عمل. وانتظم هذا الحدث الهام بأحد النزل بالعاصمة، بحضور 8 فاعلين في مجال التشغيل. وتكشف الأرقام عن ربط الشباب التونسي بأكثر من 12 ألف فرصة عمل طوال عشر سنوات.
ومثل هذه التظاهرات التشغيلية تعكس قيمة الكفاءة التونسية، وأهمية المنظومة التعليمية التي، رغم اختلالاتها العميقة، ما تزال شهائدها العلمية معترفًا بها عالميًا، إلى جانب وعي الأسر التونسية بمواصلة التعويل على التعليم كمصعد اجتماعي ووسيلة للارتقاء وتحقيق الذات، وبذل تضحيات كبيرة لإكساب الأبناء مهارات إضافية تؤهلهم للانخراط في سوق الشغل الأجنبية بمرونة، مثل تعلّم اللغات واكتساب مهارات تكوينية مطلوبة.
فالمراهنة اليوم لم تعد موجّهة أساسًا لسوق الشغل التونسية، أمام تفاقم البطالة وارتفاع عدد المعطّلين عن العمل، ومواصلة الجامعات تخريج طلبة في اختصاصات ذات تشغيلية ضعيفة، مقابل ضخ أعداد هامة من المعطّلين سنويا. إذ اتجهت أنظار الأسر والأبناء نحو سوق الشغل العالمية، وسادت حالة من الوعي بضرورة اكتساب مهارات ذات تشغيلية عالية خارج الاختصاصات المدروسة.
وقد انتشرت، في هذا السياق، ظاهرة إقبال الشباب من الجنسين على التكوين في اختصاصات مطلوبة، مثل الصحة، والتكنولوجيا، والحرف، والمقاولات، والبناء.
فانخرطت الأسر، أمام انسداد آفاق التشغيل في السوق الداخلية، في الإعداد الجيد لتأهيل أبنائها للعمل بالخارج، كما فتحت الدولة بدورها آفاق تصدير الكفاءات واليد العاملة المختصة في إطار اتفاقيات شراكة مع دول أجنبية. وانخرطت كذلك مراكز التكوين المنتصبة في تونس في هذه الديناميكية، من خلال إكساب الشباب مهارات مهنية تتلاءم مع احتياجات الأسواق العالمية وخصوصياتها، ومنها ألمانيا وكندا ودول الخليج.
وأفرزت هذه الهبّة شبه الجماعية نحو العمل بالخارج بروز مراكز مختصة في تدريس اللغات الأجنبية، وعلى رأسها الألمانية والإنجليزية، بل وانخرطت في تسويق برامج التمكين اللغوي حسب الاختصاصات المطلوبة، مروّجة لما يُعرف باللغة المهنية المختصة أو التقنية، التي أصبحت تجارة رائجة يقبل عليها الأولياء رغم كلفتها المرتفعة.
وفي النهاية، نجد أن تصدير الكفاءات في سوق شغل تبلغ نسبة البطالة فيها نحو 15% لم يعد مجرّد خيار، بل تحوّل إلى اضطرار بالنسبة للدولة والأسر والأبناء، وحتى الكفاءات العاملة والمهارات الحرفية والمهنية، بحثا عن آفاق واعدة وامتيازات يصعب تحقيقها في الدّاخل ، خاصة لمن يسعون إلى بناء مستقبلهم بخطى متسارعة وإثبات قدراتهم.
وقد استغلت دول أوروبية عديدة هذا الوضع، فأصبحت تستثمر في عقول أبنائنا، وتستقطب نخبة المتفوقين في البكالوريا، وألمع الكفاءات الجامعية، بل وامتدت إلى نخب مراكز التكوين والتدريب، لتكون بذلك المنتفع الأساسي من عقول تنمّيها تونس ثم تجني ثمارها وفق احتياجاتها التشغيلية ومعاييرها الخاصة.
ولعلّ حضور عشرات المؤسسات الألمانية سنويًا في صالون التشغيل، إلى جانب كوادر رسمية فاعلة في سوق الشغل الألمانية، دليل واضح على أننا نزرع ليحصد غيرنا. فهذه العملية تشبه استنزافًا انتقائيًا لا يُبقي في سوق الشغل التونسية إلا فئات أقل قدرة على الإنتاج، وهو ما يُعدّ هدرا بشريا خطيرا لا يمكن تداركه إلا بالعمل على الحدّ من هذا النزيف مستقبلا، عبر توفير بدائل حقيقية، وتوسيع آفاق الحلم الممكن داخل البلاد، حتى تصبح الهجرة خيارا لا اضطرارا.
وحيدة المي
نظّمت غرفة التجارة والصناعة التونسية الألمانية منذ أيّام بالعاصمة صالون التشغيل الخاص في دورته الأولى للسنة الحالية. ويُموَّل هذا الصالون من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، بدعم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي. وينشط منذ أكثر من عشر سنوات ببلادنا، ويعمل على تسهيل الربط المباشر بين الكفاءات التونسية والمؤسسات المنتصبة في تونس أو المشغِّلة في ألمانيا.
ويُعدّ صالون التشغيل الألماني تقليدا يُنظّم مرتين في السنة (الدورة القادمة في سبتمبر 2026)، ويهدف إلى توفير فرص مباشرة لفائدة الباحثين عن شغل، وفتح قنوات التواصل بين الكفاءات والمؤسسات المشغِّلة، من خلال جمع مطالب التشغيل، والسير الذاتية، وإجراء اختبارات المهارات، أو الانتداب المباشر في قطاعات متنوعة، منها تكنولوجيا المعلومات، والصناعة، والمالية، والصحة، والتجارة، والتعليم، وقطاع البناء والأشغال العامة.
وضمن هذا الحدث، شاركت 52 مؤسسة تونسية وألمانية، من بينها 10 مؤسسات قدِمت خصيصًا من ألمانيا لإجراء عمليات انتداب مباشرة، وتوفير أكثر من 1000 فرصة عمل. وانتظم هذا الحدث الهام بأحد النزل بالعاصمة، بحضور 8 فاعلين في مجال التشغيل. وتكشف الأرقام عن ربط الشباب التونسي بأكثر من 12 ألف فرصة عمل طوال عشر سنوات.
ومثل هذه التظاهرات التشغيلية تعكس قيمة الكفاءة التونسية، وأهمية المنظومة التعليمية التي، رغم اختلالاتها العميقة، ما تزال شهائدها العلمية معترفًا بها عالميًا، إلى جانب وعي الأسر التونسية بمواصلة التعويل على التعليم كمصعد اجتماعي ووسيلة للارتقاء وتحقيق الذات، وبذل تضحيات كبيرة لإكساب الأبناء مهارات إضافية تؤهلهم للانخراط في سوق الشغل الأجنبية بمرونة، مثل تعلّم اللغات واكتساب مهارات تكوينية مطلوبة.
فالمراهنة اليوم لم تعد موجّهة أساسًا لسوق الشغل التونسية، أمام تفاقم البطالة وارتفاع عدد المعطّلين عن العمل، ومواصلة الجامعات تخريج طلبة في اختصاصات ذات تشغيلية ضعيفة، مقابل ضخ أعداد هامة من المعطّلين سنويا. إذ اتجهت أنظار الأسر والأبناء نحو سوق الشغل العالمية، وسادت حالة من الوعي بضرورة اكتساب مهارات ذات تشغيلية عالية خارج الاختصاصات المدروسة.
وقد انتشرت، في هذا السياق، ظاهرة إقبال الشباب من الجنسين على التكوين في اختصاصات مطلوبة، مثل الصحة، والتكنولوجيا، والحرف، والمقاولات، والبناء.
فانخرطت الأسر، أمام انسداد آفاق التشغيل في السوق الداخلية، في الإعداد الجيد لتأهيل أبنائها للعمل بالخارج، كما فتحت الدولة بدورها آفاق تصدير الكفاءات واليد العاملة المختصة في إطار اتفاقيات شراكة مع دول أجنبية. وانخرطت كذلك مراكز التكوين المنتصبة في تونس في هذه الديناميكية، من خلال إكساب الشباب مهارات مهنية تتلاءم مع احتياجات الأسواق العالمية وخصوصياتها، ومنها ألمانيا وكندا ودول الخليج.
وأفرزت هذه الهبّة شبه الجماعية نحو العمل بالخارج بروز مراكز مختصة في تدريس اللغات الأجنبية، وعلى رأسها الألمانية والإنجليزية، بل وانخرطت في تسويق برامج التمكين اللغوي حسب الاختصاصات المطلوبة، مروّجة لما يُعرف باللغة المهنية المختصة أو التقنية، التي أصبحت تجارة رائجة يقبل عليها الأولياء رغم كلفتها المرتفعة.
وفي النهاية، نجد أن تصدير الكفاءات في سوق شغل تبلغ نسبة البطالة فيها نحو 15% لم يعد مجرّد خيار، بل تحوّل إلى اضطرار بالنسبة للدولة والأسر والأبناء، وحتى الكفاءات العاملة والمهارات الحرفية والمهنية، بحثا عن آفاق واعدة وامتيازات يصعب تحقيقها في الدّاخل ، خاصة لمن يسعون إلى بناء مستقبلهم بخطى متسارعة وإثبات قدراتهم.
وقد استغلت دول أوروبية عديدة هذا الوضع، فأصبحت تستثمر في عقول أبنائنا، وتستقطب نخبة المتفوقين في البكالوريا، وألمع الكفاءات الجامعية، بل وامتدت إلى نخب مراكز التكوين والتدريب، لتكون بذلك المنتفع الأساسي من عقول تنمّيها تونس ثم تجني ثمارها وفق احتياجاتها التشغيلية ومعاييرها الخاصة.
ولعلّ حضور عشرات المؤسسات الألمانية سنويًا في صالون التشغيل، إلى جانب كوادر رسمية فاعلة في سوق الشغل الألمانية، دليل واضح على أننا نزرع ليحصد غيرنا. فهذه العملية تشبه استنزافًا انتقائيًا لا يُبقي في سوق الشغل التونسية إلا فئات أقل قدرة على الإنتاج، وهو ما يُعدّ هدرا بشريا خطيرا لا يمكن تداركه إلا بالعمل على الحدّ من هذا النزيف مستقبلا، عبر توفير بدائل حقيقية، وتوسيع آفاق الحلم الممكن داخل البلاد، حتى تصبح الهجرة خيارا لا اضطرارا.
وحيدة المي