مع الشروق : سيناريو غزّة في الضفّة... لكن بإخراج جديد!!

مع الشروق : سيناريو غزّة في الضفّة... لكن بإخراج جديد!!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/19

المشهد المرعب الذي شهده سكان قطاع غزة هو الآن بصدد إعادة التشكل في الضفة الغربية. فبعد حرب الإبادة الجماعية التي نفذتها آلة الحرب الصهيونية في القطاع... وبعد إحالة غزة إلى مكان يتكدس فيه الركام وتنبعث منه رائحة الموت... وبعد كل إجراءات التجويع والحصار والقتل اليومي بحيث لا يبقى أمام سكان القطاع غير طريق الهجرة إلى الصحراء المصرية... بعد كل هذا ها هي آلة الحرب الصهيونية تنتقل إلى الضفة الغربية المحتلة لاستكمال الجزء الثاني من نفس العدوان الذي خطّط له وتمت هندسته لتنفيذ عملية تطهير عرقي شاملة تمكّن الكيان الصهيوني من وضع اليد على كامل فلسطين التاريخية لينطلق بعدها لاستكمال وضع اليد على أراضي الدول العربية الثمانية التي حددت مبدئيا كمجال لانتصاب «اسرائيل الكبرى».
في الضفة ينطلق تنفيذ المخطّط، ولكن برؤية أخرى وبأدوات مختلفة وإن كانت تصب في نفس الغاية وتحقق نفس الهدف: طرد الفلسطينيين من أرضهم وتحقيق «يهودية الدولة»... كخطوة أولى نحو بسط السيطرة على كافة الأرض الممتدة بين النيل والفرات (وحتى أبعد من ذلك) والتي وهبها الرب حسب مزاعمهم لليهود وفق ما تنص عليه «تعاليم أشعياء» التي صرّح نتنياهو جهارا نهارا أنه ذاهب لتحقيقها إثر اطلاق حربه المدمرة على قطاع غزة بعد عملية «طوفان الأقصى»...
اختلاف الأدوات في الضفة الغربية المحتلة يرتكز على توزيع أدوار محكم بين الجيش الصهيوني وآلة الحرب التي يتحكم فيها وبين قطعان المستوطنين... ووفق هذا المخطّط الخبيث فإن الكيان الصهيوني يرنو إلى تحقيق نفس النتائج التي حققها في غزة ولكن بأقل صخبا وبأقل ضجيجا... وبأقل إدانات دولية وبأقل احتجاجات شعبية وبالتالي بأقل إحراجات للكيان ولحليفه وشريكه في الجريمة الإدارة الأمريكية، ومن يتابع أخبار الهيستيريا التي يتسلح بها المستوطنون في هجوماتهم اليومية لاغتصاب منازل وأراضي أبناء الضفة في مختلف المدن والقرى والبلدات... ومن يتابع الكيفية التي يعاضد بها الجيش الصهيوني حملات المستوطنين المسعورة يدرك بلا عناء أننا إزاء تكتيكات جديدة وتوزيع محكم للأدوار يكون بمقتضاه المستوطنون هم رأس الحربة في تنفيذ مخطّط التطهير العرقي.
ولعل أبلغ مثال على ما نقول هو ما شهدته بلدة «القصرة» الواقعة جنوبي نابلس حين حاصرت مجموعة من المستوطنين أهالي القرية بما فيها من أطفال ومنعت عنهم الماء والغذاء لإجبارهم على مغادرة منازلهم وتقديمها لقمة سائغة للمستوطنين، أثناء هذه العملية تواجد الجيش الصهيوني ولكنه تواجد من هو غائب بالحضور لأنه لم يتحرّك ولم يفعل شيئا لوقف الجريمة... لأنه حسب زعمه عاجز عن فكّ الحصار الذي يفرضه المستوطنون... ولنا أن نتخيّل كيف تعجز آلة حربية جبّارة تهاجم إيران وتطرح على نفسها افتعال حروب مع مصر وتركيا وباكستان... وتطرح على نفسها احتلال أجزاء من 8 دول عربية بما فيها السعودية ومصر كيف تقف عاجزة أمام حفنة من المستوطنين...
إنها مسرحية هابطة.. سيئة الإعداد وسيئة الإخراج هذه التي ينفذها الكيان الصهيوني لتحقيق هدف التطهير العرقي للضفة وإجلاء أهلها (مرحليا) إلى شرقي نهر الأردن بأقل صخبا وضجيجا ممكنين.. لأن تحرك المستوطنين مهما صاحبه من بطش وغطرسة لا يحدث نفس الضجيج الذي تحدثه الدبابات والطائرات والجرافات.. فقد جرّب الأسلوب الصاخب في غزة ورأى كيف انقلب العالم عليه وكيف ضجّت الشعوب واحتجت على غطرسته.. لذلك فإنه يلجأ إلى هذا الأسلوب «الناعم» الذي يحقق نفس الغاية لكن بأدوات مختلفة وبعيدا عن تأجيج الرأي العام العالمي كما حدث في حرب غزة...
أين «الأشقاء العرب» من كل هذا؟ إنهم موزعون بين متآمر متواطئ وبين خامل ساكت وبين متفرّج لا يرى شيئا.. ويبدو وسط هذا المشهد العربي البائس أننا سوف نُنظّم قريبا «مناحات شعبية قومية» لنبكي لبنان وسوريا والأردن ومصر والسعودية والعراق واليمن كما بكينا ونبكي فلسطين... وبعدها سوف نتيه في الصحراء العربية و«سنعوي فيها بلا مأوى» كما تنبّأ لنا شاعرنا الكبير مظفر النواب منذ عشرات السنين في ملحمته الخالدة «وتريات ليلية».
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك