مع الشروق : حرب الإرادات والحسابات

مع الشروق : حرب الإرادات والحسابات

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/21

تعيش المنطقة اليوم حالة معقدة يمكن وصفها بـ»اللا حرب واللا سلم» بين إيران والولايات المتحدة، بعد انهيار آخر مسار تفاوضي واستئناف الضربات المتبادلة بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فلا الطرفان وصلا إلى حرب شاملة، ولا نجحا في تثبيت سلام دائم أو حتى هدنة مستقرة، وبدل أن يكون التفاوض جسراً نحو تسوية نهائية، أصبح في كثير من الأحيان مجرد محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد العسكري والسياسي، لتبقى المنطقة رهينة ميزان ردع هش قابل للانفجار في أي لحظة.
ومن وجهة نظر العديد من المحللين، فإن السياسة الأمريكية، المدعومة بقوة من الكيان المحتل، لا تنظر إلى السلام بوصفه غاية نهائية بقدر ما تتعامل معه كوسيلة لإعادة ترتيب الأوراق عندما تقتضي المصلحة ذلك.
ففترات التهدئة تمنح جميع الأطراف فرصة لإعادة تنظيم القدرات العسكرية والاستخباراتية، وتقييم نتائج المواجهات السابقة، والاستعداد لجولات جديدة إذا تعثرت الأهداف السياسية، ولذلك ينظر البعض إلى أي سلام مؤقت على أنه سلام هش ومشروط، أكثر منه تسوية حقيقية تنهي أسباب الصراع.
وبينما يرى الكيان الصهيوني أن التهديد الإيراني لا يرتبط فقط بالبرنامج النووي أو بنفوذ طهران الإقليمي، بل يمتد إلى طبيعة النظام نفسه، ولهذا يذهب عدد من المحللين إلى أن تغيير سلوك إيران وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف الصهيونية بعيدة المدى، وأن إسقاط النظام الإيراني يمثل، من هذا المنظور، الهدف الأكثر طموحاً.
تدرك إيران  في المقابل، أن الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية لا تستهدف قدراتها الدفاعية فحسب، بل قد تهدّد استقرار النظام ذاته، ولذلك تعتمد استراتيجية تجمع بين التفاوض عندما يخدم مصالحها، والرد العسكري عندما ترى أن الردع أصبح ضرورياً، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون نتائجها كارثية على الجميع.
كما تراهن طهران وفق سياسة الصبر الاستراتيجي على عامل الزمن، انطلاقاً من اعتقادها بأن خصومها قد يواجهون تحديات داخلية وخارجية تقلل من قدرتهم على مواصلة سياسة الضغط إلى ما لا نهاية.
ومن هنا، تبدو المواجهة الحالية أقرب إلى معركة إرادات طويلة منها إلى حرب تقليدية قصيرة، فالولايات المتحدة والاحتلال يسعيان إلى زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية لفرض واقع جديد، بينما تراهن إيران على قدرتها على الصمود واستنزاف خصومها، وإثبات أن تكلفة إسقاطها ستكون أعلى من أي مكاسب محتملة
ولذلك فإن الضربات المتبادلة، مهما بلغت شدتها، تظل محسوبة إلى حد كبير، لأنها تهدف إلى إرسال الرسائل أكثر من السعي إلى حسم عسكري مباشر، وهو ما سيطيل أمد الأزمة في ظلّ صعوبة رفع أحد الاطراف الراية البيضاء في الوقت الحالي.
بعيدا عن الخطابات السياسية والإعلامية، فإن النتيجة النهائية لهذا الصراع لن تُقاس بعدد الغارات أو الصواريخ، بل بمدى قدرة كل طرف على تحقيق أهدافه الاستراتيجية، فإذا تمكنت الولايات المتحدة والاحتلال من فرض تغيير جذري يحقق أهدافهما المعلنة أو غير المعلنة، فسيُنظر إلى حملتهما على أنها حققت نتائجها.
أما إذا بقي النظام الإيراني قائماً، محتفظاً بقدرته على اتخاذ القرار ومواصلة نفوذه الإقليمي رغم العقوبات والضغوط والضربات، فإن كثيراً من المراقبين سيعتبرون أن سياسة الضغط لم تحقق غاياتها الأساسية، مهما بلغت الخسائر التي ستتكبّدها إيران.
وفي جميع الأحوال، يبقى هذا الصراع مفتوحاً على احتمالات متعددة، حيث يستمر ميزان الردع، والمناورة، والحسابات السياسية في رسم ملامح مرحلة لا هي حرب شاملة ولا هي سلام مستقر.
بدرالدين السياري

تعليقات الفيسبوك