مع الشروق : ترامب وحرب إيران.. السحر الذي انقلب على الساحر

مع الشروق : ترامب وحرب إيران.. السحر الذي انقلب على الساحر

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/09/19

مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام حرب كان يريدها ورقة قوة انتخابية فإذا بها تتحوّل إلى عبء سياسي واقتصادي يهدد بإرباك حساباته، بعدما انتقلت كلفتها من ساحات القتال إلى جيوب الأمريكيين وميزانية الدولة وصورة الإدارة في الداخل والخارج.
فقد دخل ترامب المواجهة مع إيران وهو يراهن على حسم سريع يمنحه انتصارا يقدمه للناخبين ويعزز موقعه السياسي، لكن طول أمد الحرب وصمود إيران قلب الحسابات، فبدلا من أن تتحوّل إلى رصيد انتخابي أصبحت أسعار الوقود والإنفاق العسكري والخسائر المتراكمة والاتهامات الدولية ملفات مفتوحة أمام البيت الأبيض قبل أسابيع من الاستحقاق الانتخابي.
وكان الاقتصاد أول ساحات الارتداد، إذ ارتفع متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة إلى نحو 4.43 دولارات في 17 سبتمبر، بعدما كان 2.98 دولارا في نهاية فيفري، بينما واصلت أسعار النفط ارتفاعها وسط اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. ومع اعتماد النقل والزراعة والشحن على الوقود، انتقلت تداعيات الحرب إلى تكاليف السلع وسلاسل التوريد، فأصبح الصراع الخارجي حاضرا في الحياة اليومية للأمريكيين.
لكن ارتفاع الأسعار لا يمثل سوى الوجه الأول للفــاتورة، فالإنفاق العسكري أخذ بدوره في استنزاف الخزينة والقدرات الأمريكية. وقد قدر مكتب الميزانية في الكونغرس كلفة الحرب بنحو 38 مليار دولار حتى بداية أوت، مع توقع ارتفاعها بنحو 3 مليارات دولار شهريا، في وقت استنزفت فيه العمليات مخزونات الذخائر وأثارت مخاوف بشأن جاهزية القوات الأمريكية. ومن الاقتصاد والجيش انتقلت الحرب إلى جبهة قانونية وحقوقية أكثر إحراجا لواشنطن، بعدما خلصت بعثة تقصي حقائق مستقلة تابعة لمجلس حقوق الإنسان إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة ارتكبت جرائم حرب في إيران. ويضيف هذا الاستنتاج ضغطا دوليا جديدا على إدارة ترامب، في وقت تحاول فيه تقديم الحرب باعتبارها عملية عسكرية تفرضها حسابات الأمن والمصلحة الأمريكية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتداخل هذه الملفات جميعا في الحساب السياسي الداخلي، فارتفاع أسعار الوقود يضغط على الناخب، والإنفاق العسكري يفتح أسئلة حول كلفة الحرب، والاتهامات الدولية تضرب صورة الإدارة، بينما يواجه ترامب استطلاعات رأي تكشف تراجعا في صورته لدى قطاعات من الناخبين وانقساما داخل الحزب الجمهوري حول تداعيات المواجهة.
وهكذا تتقدم الحرب الإيرانية من ملف خارجي إلى امتحان انتخابي لترامب، إذ بات عليه أن يبرر للناخبين كلفة حرب لم تنته، وأسعارا ارتفعت، وإنفاقا عسكريا يتضخم، وضغوطا دولية تتزايد، فيما تقترب صناديق الاقتراع. وكلما امتدت الحرب، أصبح من الصعب فصل نتائجها عن حسابات الانتخابات النصفية.
لقد أراد ترامب أن يجعل من الحرب دليلا على القوة الأمريكية وورقة تعزز موقعه السياسي، فإذا بها تنقلب إلى مصدر فشل وضغط على إدارته في اللحظة الأكثر حساسية. أراد أن يحاصر إيران، فإذا بتداعيات الحرب تضيق عليه، وأراد انتصارا سريعا يسبق الانتخابات، فإذا بالمعركة تتحوّل إلى فاتورة مفتوحة الحسابات.
وهنا ينقلب السحر على الساحر، فالحرب التي كان يفترض أن ترفع رصيد ترامب قبل الانتخابات النصفية أصبحت تختبر قدرته على تحمل كلفتها وإقناع الأمريكيين بنتائجها، بينما تتراجع مساحة المناورة أمامه كلما طال أمد المواجهة.
ناجح بن جدو
 

تعليقات الفيسبوك