مع الشروق : بين طوفان «التصرف» وجفاف «الرياضيات» !
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/18
على مسافة أيام قليلة من انطلاق امتحان الباكالوريا، طرحت الأرقام التي أعلنت عنها وزارة التربية علامات استفهام كبرى حول عمق الخيارات التعليمية في بلادنا وسياستنا في توجيه التلاميذ.
فتوزيع المترشحين لباك 2026 والبالغ عددهم نحو 162 ألف تلميذ على الشعب ، يُظهر مفارقة لافتة تستدعي وقفة جادة: شعبة الاقتصاد والتصرف تستقطب وحدها قرابة ثلث المترشحين، أي نحو 52 ألف تلميذ، بينما تراجعت شعبة الرياضيات إلى نحو 9 آلاف تلميذ فقط، بنسبة لا تتجاوز 5 بالمائة من العدد الإجمالي لتلاميذ الباكالوريا هذا العام .
هذا التفاوت ليس مجرد صدفة ، بل نتيجة خيارات تربوية تعليمية جاءت عبر سنوات من الممارسة المدرسية ، فالمنظومة التربوية دفعَت بعدد كبير من التلاميذ نحو مسالك يظنون أنها أقل ضغطا من حيث البرامج والامتحانات، أو أكثر قدرةً على تأمين مسار تعليمي يؤدي إلى وظيفة مستقبلية سهلة .
وفي المقابل، فقدت شعبة الرياضيات جاذبيتها لدى الكثيرين بسبب صعوبة المناهج، طرق التدريس التقليدية، الضغط الدراسي، ومشكلات الارتباك اللغوي التي يواجهه تلاميذ تعلموا في البداية الرياضيات بالعربية مع مصطلحات بالفرنسية ، ثم بالفرنسية فقط في مرحلة متقدمة !.
العالم اليوم يقوده الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات والتكنولوجيا الحديثة، وهي مجالات تتطلب قاعدة صلبة من المعارف الرياضية ، فكيف سنواجه تحديات المستقبل ونشارك بفعالية في التحولات الرقمية والابتكار إذا تقلّصت بشكل حادّ قاعدة التلاميذ المتجهين نحو الرياضيات والعلوم الدقيقة؟ ، فهذا « الخلل» يعني نقصا محتوما في الكفاءات التي تُغذي البحث العلمي والتقنيات المتقدمة والصناعات المستقبلية.
وفي المقابل ، ان استمرار ضخّ أعداد كبيرة من التلاميذ في اختصاصات الإدارة والتصرف سيؤدي حتماً إلى مشاكل لاحقة: اكتظاظ مسارات جامعية محددة، ثم ارتفاع نسب البطالة بين خريجيها بسبب عدم التناسب بين العرض والطلب في سوق الشغل.
لسنا هنا في موضع التقليل من أهمية اختصاصات الإدارة والاقتصاد — فكل شعبة لها اهميتها ودورها ، والبلاد تُحتاج إلى مجموعة متنوعة من المهارات — لكن المسألة تتعلق بالتخطيط والتوازن بين حاجيات الدولة ومتطلبات الاقتصاد من جهة، وبين الخيارات التربوية التي يجب رسمها من جهة أخرى.
التعليم ليس مجرد توزيع للتلاميذ على الشعب، بل رسمٌ فعلي لمستقبل الاقتصاد الوطني بعد عشرين أو ثلاثين سنة، فالمجتمع الذي يتراجع فيه الإقبال على التفكير العلمي والرياضي، يفقد تدريجيا قدرته على الابتكار، وعلى إيجاد الحلول للمشكلات المعقّدة، ويصبح أكثر استهلاكا لما ينتجه غيره بدل أن يكون شريكًا في صناعة المعرفة والتكنولوجيا.
مهمة الوزارة والمسؤولين والمجتمع ككل اليوم هي الانطلاق في إصلاح تربوي حقيقي، اصلاح يعيد الاعتبار إلى الشعب العلمية، ويطوّر مناهجها، ويشجّع الإقبال عليها، مع ربط التعليم بحاجيات الدولة وسوق الشغل، وتحفيز ثقافة البحث والابتكار، فتونس المعروفة بـ»المادة الشخمة»، بحاجة إلى عقول تصنع وتبتكر وتبحث، لا إلى آلاف الطلبة الذين تبيع عائلاتهم الغالي والنفيس من أجل حصولهم على شهادات قد لا تجد قيمة فعلية لها في سوق الشغل لاحقا.
كل التوفيق والنجاح لأبنائنا التلاميذ.
راشد شعور
على مسافة أيام قليلة من انطلاق امتحان الباكالوريا، طرحت الأرقام التي أعلنت عنها وزارة التربية علامات استفهام كبرى حول عمق الخيارات التعليمية في بلادنا وسياستنا في توجيه التلاميذ.
فتوزيع المترشحين لباك 2026 والبالغ عددهم نحو 162 ألف تلميذ على الشعب ، يُظهر مفارقة لافتة تستدعي وقفة جادة: شعبة الاقتصاد والتصرف تستقطب وحدها قرابة ثلث المترشحين، أي نحو 52 ألف تلميذ، بينما تراجعت شعبة الرياضيات إلى نحو 9 آلاف تلميذ فقط، بنسبة لا تتجاوز 5 بالمائة من العدد الإجمالي لتلاميذ الباكالوريا هذا العام .
هذا التفاوت ليس مجرد صدفة ، بل نتيجة خيارات تربوية تعليمية جاءت عبر سنوات من الممارسة المدرسية ، فالمنظومة التربوية دفعَت بعدد كبير من التلاميذ نحو مسالك يظنون أنها أقل ضغطا من حيث البرامج والامتحانات، أو أكثر قدرةً على تأمين مسار تعليمي يؤدي إلى وظيفة مستقبلية سهلة .
وفي المقابل، فقدت شعبة الرياضيات جاذبيتها لدى الكثيرين بسبب صعوبة المناهج، طرق التدريس التقليدية، الضغط الدراسي، ومشكلات الارتباك اللغوي التي يواجهه تلاميذ تعلموا في البداية الرياضيات بالعربية مع مصطلحات بالفرنسية ، ثم بالفرنسية فقط في مرحلة متقدمة !.
العالم اليوم يقوده الذكاء الاصطناعي، وعلم البيانات والتكنولوجيا الحديثة، وهي مجالات تتطلب قاعدة صلبة من المعارف الرياضية ، فكيف سنواجه تحديات المستقبل ونشارك بفعالية في التحولات الرقمية والابتكار إذا تقلّصت بشكل حادّ قاعدة التلاميذ المتجهين نحو الرياضيات والعلوم الدقيقة؟ ، فهذا « الخلل» يعني نقصا محتوما في الكفاءات التي تُغذي البحث العلمي والتقنيات المتقدمة والصناعات المستقبلية.
وفي المقابل ، ان استمرار ضخّ أعداد كبيرة من التلاميذ في اختصاصات الإدارة والتصرف سيؤدي حتماً إلى مشاكل لاحقة: اكتظاظ مسارات جامعية محددة، ثم ارتفاع نسب البطالة بين خريجيها بسبب عدم التناسب بين العرض والطلب في سوق الشغل.
لسنا هنا في موضع التقليل من أهمية اختصاصات الإدارة والاقتصاد — فكل شعبة لها اهميتها ودورها ، والبلاد تُحتاج إلى مجموعة متنوعة من المهارات — لكن المسألة تتعلق بالتخطيط والتوازن بين حاجيات الدولة ومتطلبات الاقتصاد من جهة، وبين الخيارات التربوية التي يجب رسمها من جهة أخرى.
التعليم ليس مجرد توزيع للتلاميذ على الشعب، بل رسمٌ فعلي لمستقبل الاقتصاد الوطني بعد عشرين أو ثلاثين سنة، فالمجتمع الذي يتراجع فيه الإقبال على التفكير العلمي والرياضي، يفقد تدريجيا قدرته على الابتكار، وعلى إيجاد الحلول للمشكلات المعقّدة، ويصبح أكثر استهلاكا لما ينتجه غيره بدل أن يكون شريكًا في صناعة المعرفة والتكنولوجيا.
مهمة الوزارة والمسؤولين والمجتمع ككل اليوم هي الانطلاق في إصلاح تربوي حقيقي، اصلاح يعيد الاعتبار إلى الشعب العلمية، ويطوّر مناهجها، ويشجّع الإقبال عليها، مع ربط التعليم بحاجيات الدولة وسوق الشغل، وتحفيز ثقافة البحث والابتكار، فتونس المعروفة بـ»المادة الشخمة»، بحاجة إلى عقول تصنع وتبتكر وتبحث، لا إلى آلاف الطلبة الذين تبيع عائلاتهم الغالي والنفيس من أجل حصولهم على شهادات قد لا تجد قيمة فعلية لها في سوق الشغل لاحقا.
كل التوفيق والنجاح لأبنائنا التلاميذ.
راشد شعور