مع الشروق : الهجرة العكسية تطيح بالسرديّة

مع الشروق : الهجرة العكسية تطيح بالسرديّة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/20

من المفارقات التي لا تخطئها العين في داخل الكيان الغاصب، أن كيانا تأسس على استجلاب المهاجرين وتوطينهم في فلسطين السليبة بات يشهد نفورا وهجرة عكسية، فالكيان الذي قامت فكرته المركزية على "العودة"، يشهد ظاهرة "الرحيل" لأول مرة بهذا المنسوب ومنذ النشأة الأولى المشؤومة.
وفقا لدراسة حديثة من جامعة تل أبيب، غادر ما يزيد على 268 ألف مواطن إسرائيلي البلاد لفترات تجاوزت ثلاثة أشهر بين عامي 2023 و2025، بمعدل يقارب 90 ألف مغادر سنويا، مقارنة بمتوسط 60 ألفا سنويا طوال العقد الممتد من 2010 إلى 2019، وإذا كانت هذه أرقام الصهاينة أنفسهم، فإن المشهد أثقل مما قد يبدو في القراءة السريعة.
فقد سجّل عام 2023 أكبر فجوة في تاريخ الكيان المحتل بين عدد المغادرين وعدد العائدين، إذ صدر تقرير الكنيست في أكتوبر 2025 مُوضحا أن المغادرة ارتفعت 44% مقارنة بالعام السابق، وتواصل النزيف في 2024 ثم في 2025، وفي السنة الأخيرة وحدها، غادر 69 ألف مقيم إسرائيل، في حين لم يعد إليها سوى 19 ألفا، في فجوة تبقى الأعمق.
ما يجعل هذه الأرقام مثيرة للقلق في أوساط الصهاينة، فوق مجرد الحجم، هو طبيعة من يغادر، فكثير من المغادرين ينتمون إلى الطبقات الأكثر تعليما وثراء، من أطباء ومهندسين وعاملين في قطاع التكنولوجيا الذي يُشكّل نحو خُمس الناتج الاقتصادي الإسرائيلي وأكثر من نصف صادراتها.
ومن يبحث عن الأسباب لن يجد سرا مخفيا، فقد أسهمت الانقسامات السياسية العميقة، والأهم من كل ذلك تصاعد وتيرة الحروب المتعددة التي حولت حياة الصهاينة إلى جحيم يومي، في تشكيل موجة مغادرة غير مسبوقة، بالإضافة إلى بُعد اجتماعي طالما ظلّ تحت السطح، هو ارتفاع تكاليف المعيشة، وشعور متزايد لدى شريحة واسعة بأن المشروع الاستيطاني الكاذب الذي قَبِلت ذات يوم أن تكون جزءا منه لم يعد يستحق التضحية اليومية التي تتطلبها الإقامة فيه في زمن الحرب.
يُقدّر مركز طوب الإسرائيلي للأبحاث أن صافي الهجرة السلبي سيتواصل خلال عام 2026 أيضا، وهو ما يجعل إسرائيل تواجه ظاهرة ديموغرافية لا سابق لها في تاريخها الحديث، فالكيان الذي بنى سرديته الكاذبة على استقطاب المهاجرين ينقلب عليه منطقه الأصلي، حيث فككت الهجرة المُعاكِسة السردية والهاسبارا الموهومة والزائفة التي لطالما زيّفت الوعي.
المفارقة اللافتة أن إسرائيل تُعلن عن نفسها باستمرار كذبا وبهتانا كـ"واحة الديمقراطية" في محيطها، ترفع اليوم شعارا مؤداه أن من لا يتسع له منطق الحكومة الراهنة يجد نفسه يائسا من الإقامة، وهو ما حول الكيان المحتل في نظر ساكنيه قبل أعداءه إلى أرض طاردة.
لا شكّ أن الانهيار الاجتماعي الكبير لا يأتي في الغالب كهزّة أرض مفاجئة، يأتي هادئا، متصاعدا، عبر موجات صغيرة من المغادرين تتراكم عاما بعد عام حتى تُحدث في النسيج السكاني ما لا تُحدثه أي معركة عسكرية، فما يشهده الكيان الصهيوني هو انطلاقة تصدّع بطيء يصعب إخفاؤه ولا يمكن أن تكون نتيجته الحتمية إلا قرب الانهيار التام في صيرورة تاريخية لا يمكن مواجهتها والحد منها.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك