مع الشروق : المفاوض أمريكي... والأهداف صهيونية!

مع الشروق : المفاوض أمريكي... والأهداف صهيونية!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/18

تتعدّد جولات التفاوض بين أمريكا وإيران لكن النتيجة واحدة في كل مرة. خلافات واختلافات في وجهات النظر تمنع احراز أي تقدم جوهري يمكن أن ينزع الفتيل نهائيا من صراع قد يؤدّي إلى حرب مفتوحة تشعل المنطقة برمتها بل وقد تحرق العالم بأسره... لماذا يعجز الطرفان عن فكّ العقدة والتوجه إلى مفاوضات مثمرة تحقق الهدف الذي ينشده كل العالم؟
الجواب بسيط جدا للوهلة الأولى. ذلك أن الطرف الذي يفاوض إيران ليس أمريكا في واقع الأمر، لكن اسرائيل هي من يفاوض طهران بصوت أمريكي... ففي حين تركّز الإدارة الأمريكية على ملف النووي الإيراني وتضغط لتقليم أظافر إيران النووية وإجهاض أي طموح لها في حيازة سلاح نووي، وإن كانت إيران تحلف بأغلظ الأيمان أنها لا تتجه لحيازة هذا السلاح وتستظهر بفتوى المرشد الذي يحرّم حيازة قنبلة نووية في هذا الوقت يضغط الكيان الصهيوني بصفة غير مباشرة وأيضا مباشرة باتجاه تحقيق جملة من الأهداف الاسرائيلية بأياد أمريكية.
الكيان الصهيوني يريد إزالة التهديد النووي الايراني نهائيا. أجل ومنتهى الطموح الصهيوني هو رؤية البرنامج النووي الايراني قد سوّي بالتراب سواء من خلال المفاوضات مع أمريكا أو بواسطة ضربات اسرائيلية تدعمها أمريكا لإغلاق هذا الملف نهائيا والتخلص مما يعتبره الكيان «خطرا وجوديا» إذا ما نجحت إيران في حيازة سلاح نووي... لكن الكيان الصهيوني لا يطلب فقط رأس البرنامج النووي الايراني بل يتطلع إلى تقليم مخالب إيران الطويلة التي أدمته وكادت تسقطه بالضربة القاضية في حرب الاثني عشرة يوما عندما دكت صواريخ إيران الباليستية بقوة وبدقة أهدافا حيوية داخل الكيان من قواعد جوية وأهداف عسكرية ومراكز أبحاث وغيرها أصابت الكيان في مقتل وجعلته يترنّح إيذانا بالسقوط لولا مسارعة الرئيس ترامب إلى «فرض» وقف لإطلاق النار أنقذ الكيان من سقوط مدوّ كان على وشك الحدوث، لذلك فإن اسرائيل لم تعد تطلب رأس النووي الايراني فقط، بل تطلب معه ذراع ايران الطويلة ممثلة في القدرات الصاروخية التي باتت تمتلكها وتكدّسها ايران وكذلك في قدراتها الهائلة على التصنيع والتطوير بعد أن تمكنت بالكامل من تكنولوجيا صناعة الصواريخ وهو ما بات يمكنها من تعويض مخزوناتها في أوقات قياسية... لذلك يضع الكيان الصهيوني هذا الطلب في الميزان ويضغط على حليفه الأمريكي لإدراج بند إنهاء القدرات الصاروخية لإيران كبند قار ورئيسي في أية مفاوضات تعقد مع إيران.
ليس هذا فقط بل إن لائحة الطلبات الاسرائيلية من أية عملية تفاوض تراها مثمرة مع إيران تتوسع لتشمل حلفاء ايران في المنطقة.. فالكيان بات يطلب رأس حزب الله في لبنان ورأس الحشد الشعبي في العراق ورأس الحوثيين في اليمن.. وتمتد لائحة الطلبات الصهيونية إلى رأس النظام الايراني وإن كان المسؤولون الصهاينة يحتفظون بهذا الطلب كورقة خفية تمثل بالنسبة لهم الحل النهائي مع إيران ونهاية كل كوابيسهم وهواجسهم لكنهم يسعون إلى تحقيقها ولا يضعونها شرطا مسبقا ومعلنا في المفاوضات الأمريكية ـ الايرانية...
وعندما نضع كل هذه النقاط وكل هذه الاعتبارات في الميزان يصبح بإمكاننا توقع مآلات هذه المفاوضات ويصبح بإمكاننا تشخيص العقدة أو العقد التي تجعلها تراوح مكانها وتمنعها من إحراز أي تقدم... فلا الكيان يقبل باتفاق يخصّ ملف النووي الايراني فقط كما تطلب ايران و«تكتفي» أمريكا مرحليا. ولا إيران تقبل بإنهاء قدراتها الصاروخية وقطع الحبل السرّي الذي يربطها بحلفائها في الاقليم وهو ما يساوي نوعا من الانتحار وتسليم مفاتيح طهران لكيان يصرّح بنواياه التوسعية ويضع على رأس أهدافه تغيير خارطة الشرق الأوسط برمتها والقضاء على ما يسميه «النقاط المظلمة» في الاقليم وعلى رأسها نظام الثورة الإسلامية في إيران حتى يتسنى له تسوية كل العقبات التي تقف أمام إنجاز ما يسميه «اسرائيل الكبرى» الممتدة من النيل إلى الفرات.. وربما أبعد من ذلك بكثير وفي كل الاتجاهات...
وتبقى المنطقة والعالم مفتوحان على أحد خيارين: إما اتفاق يرضي ايران ولا يرضي الكيان وإما حرب مدمرة قد تشعل كل الإقليم، بل وكل العالم لأن الحرب في الأخير مدارها النظام الدولي وهل يبقى أحاديا تحت هيمنة أمريكا أو يصبح تعدديا تتبوّأ فيه الصين وروسيا المواقع التي هما جديران بها.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك