مع الشروق : المعركة معركة أمّة.. فلماذا يتركون إيران وحيدة؟!

مع الشروق : المعركة معركة أمّة.. فلماذا يتركون إيران وحيدة؟!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/18

من بين أعمدة الدخان المنبعثة من أتون المواجهة الايرانية ـ الأمريكية ـ الاسرائيلية يظهر سؤال جوهري على العرب أولا وعلى المسلمين ثانيا ايجاد جواب شاف وضاف له.. السؤال مداره: لماذا إيران ولماذا بذل نتنياهو كل ذلك الجهد وفعّل كل تلك «الأسلحة» والضغوطات لتوريط ترامب في هذه الحرب الخاسرة؟
عناصر الاجابة عن هذا السؤال تنقسم إلى شطرين.. شطر أول ظاهر للعين المجرّدة وشطر ثان يتوارى خلف حركة القاذقات والصواريخ الاسرائيلية والأمريكية وهي تتهاطل على مختلف محافظات إيران.. أما الشطر  الظاهر فيتمثل في البرنامج النووي الايراني وفي القدرات الصاروخية لايران، علاوة على دعمها لما يسمى أذرعها في محور المقاومة في لبنان والعراق واليمن والتي تشكل تهديدا فعليا للكيان الصهيوني. هذا اسرائيليا أما أمريكيا فإن الأهداف المعلنة هي نفس أهداف اسرائيل مضافا إليها ترتيبات استراتيجية تنخرط فيها الادارة الأمريكية وتحوم حول ممر الهند ـ أوروبا مع ما يتيحه من فرص احتواء ممر وطريق الحرير الصيني وكذلك ما يتيحه من فرص لاحتواء التحالف الصيني ـ الروسي وتجمع دول «البريكس» وهذا وذاك باتا يرفعان شعار اسقاط النظام الدولي الاحادي القائم تحت الهيمنة الأمريكية واستبداله بنظام دولي متعدد الأقطاب يحجّم سيطرة أمريكا على العالم ويحفر مكانا للقوى الدولية الصاعدة وعلى رأسها الصين وروسيا ودول تجمع «البريكس» كل هذه الأهداف الظاهرة تستحق «التضحية» من منظور صهيوني وأمريكي وتستحق اشعال حرب لأجلها ولأجل إقصاء إيران من المعادلة.. هذا اللاعب الذي راكم الكثير من مقومات القوة ونسج شبكة علاقات مع منافسي أمريكا (الصين وروسيا تحديدا) حوّلته إلى رأس حربة في مشروع اسقاط الهيمنة الأمريكية.
وعلى أهمية هذه الأهداف الظاهرة فإن هناك جملة من الأهداف الخفية التي يحاول الطرفان الصهيوني والأمريكي «تغييبها» وان كانت تصريحات بعض مسؤوليهما تشي بها وتكشفها وهي الأهداف الأهم والأخطر لأنها تخرج بـ«لعبة الأمم» من مجال المصالح والتجاذب والتدافع بين الدول.. إلى مجال الاعتبارات الدينية التي تتداخل فيها الخرافة مع المعتقدات البالية، مع القناعات والمسلّمات الدينية التي تتلبّس بالسياسة وتأخذ حجم وشكل قناعات يسعى رؤساء دول ومسؤولون كبار إلى تحقيقها على أرض الواقع.
هنا يأتي التحالف بين الصهيونية العالمية والمسيحية الصهيونية.. وهو تحالف يجسده هذا التماهي الكامل بين قيادة الكيان الصهيوني وما بات يحرّكها من سرديات وبين إدارة الرئيس ترامب الذي انزاح تحت تأثير سرديات ومعتقدات المسيحية الصهيونية  بالادارة الأمريكية من مجالها الطبيعي كدولة مدنية إلى مجال الخرافة والمعتقد الديني بما يختلط به من ترهّات ومن إضافات ومن أهداف سياسية تغلّف بغلاف ديني.. من هنا يأتي التماهي الكامل بين عتاة الصهيونية ومتطرفي قيادة الكيان الصهيوني بزعامة ثالوث نتنياهو ـ سموتريتش وبن غفير وبين كبار القياديين في الإدارة الأمريكية بزعامة ترامب ووزير دفاعه بالخصوص.. وان كان كل فريق ترامب يتقاسم نفس القناعات حول ضرورة قيام «اسرائيل الكبرى» وحول ضررة تدمير المسجد الأقصى وبناء ما يسمى «هيكل سليمان» على أنقاضه توطئة لـ«عودة المسيح» الذي سيملأ الدنيا عدلا..
هذه السرديات لم تعد تغيب في الخطاب السياسي لرموز الادارة الأمريكية.. بل ان وزير الدفاع الأمريكي مثلا تأخذه الحماسة حدّ التغنّي بتحويل سفارة بلاده إلى القدس كعنوان لسيطرة إسرائيل الأبدية على المدينة وبمنح هضبة الجولان السوري إلى إسرائيل وبالدعم الكامل واللامشروط لحروب نتنياهو في الاقليم ووضع يده على 8 دول عربية تمتد من السعودية ومصر إلى العراق تجسيدا لما رسمه علم الكيان الصهيوني من حدود مائية لدولة «اسرائيل الكبرى» التي تمتد من النيل إلى الفرات.
هذا الطرح الصهيوني ـ الأمريكي يطرح مفارقة عجيبة ـ فبقدرها تنجح هذه السرديات والمعتقدات في حشد الأتباع والمريدين في الكيان وفي أمريكا وفي الغرب عموما.. وبقدر ما تدفعهم لتعبئة كل شيء لكسب هذه المعركة فبقدر ما نجده من تفكك ومن لا مبالاة وحتى من جهل أو عدم تصديق لدى الدول العربية والاسلامية.. وأبلغ مثال على ما نقول هو الصمت المطبق الذي واكب حديث سفير أمريكا لدى اسرائيل عندما أقر بـ«شرعية» احتلال اسرائيل لأراضي 8 دول عربية لإقامة اسرائيل الكبرى من جهة.. وكذلك اكتفاء الدول العربية والاسلامية من جهة أخرى بالفرجة على إيران وهي تواجه وحيدة تحالف الشر الصهيو ـ أمريكي.. وتتصدى نيابة عن العرب وعن المسلمين لمشروع يستهدف الأمّة جمعاء في وجودها وفي مقدساتها وفي مستقبلها.
هذه المفارقة كان يفترض أن تستنفر العرب والمسلمين وتدفعهم إلى الخروج من مربّع السلبية والفرجة على حرب تستهدف بلدا اسلاميا وتستهدف من خلاله حاضر الأمة الاسلامية ومستقبلها.. لأن إيران هي آخر قلاع هذه الأمّة وليس من قبيل الصدفة أو العبثية أن يستهدفها الطاغوت الصهيوني ـ الأمريكي بهذا العدوان الغاشم. لأن المطلوب هو إزاحة آخر وأهمّ العقبات في طريق المشروع الصهيوني ـ الأمريكي الهادف لإقامة «إسرائيل الكبرى» وهدم الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم تمهيدا لعودة المسيح كما يعتقدون.. وخسارة إيران لهذه المنازلة الكبرى والمفصلية لا قدّر الله ستكون طوفانا على الأمة لا يبقي ولا يذر.. والمنطق القويم والعقل السليم يقضيان بتحرك الدول والشعوب العربية والاسلامية لنصرة إيران واجهاض هذه الهجمة الصهيونية ـ الأمريكية التي تستهدف الأمة مختزلة في إيران كآخر قلاع الصمود الاسلامي في وجه المشروع الصهيوني الخطير.. ولينظر العرب والمسلمون إلى اقتدار ايران في المواجهة وإلى قدرتها على الوقوف في وجه الطغيان العالمي بوسائلها وبإمكانياتها الذاتية.. فما بالك لو أن الأمة الاسلامية فعّلت امكانياتها ورفدت بها الجهد الايراني في مواجهة تخوضها ايران نيابة عن الأمة بأسرها.. الأكيد أن كل الموازين سوف تنقلب وقتها وسيدرك  الأعداء أن أمتنا ليست جسدا بلا روح يتصرفون به على هواهم وعلى هوى نزواتهم وحتى خرافاتهم.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك