مع الشروق : السرديات الموهومة لا تسقط الحق
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/19
ليست التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزراء في الحكومة الصهيونية مجرد مواقف انتخابية عابرة، بل تعكس توجها سياسيا واضحا يسعى إلى تكريس واقع احتلالي دائم في الضفة الغربية، تحت مسمّى "بسط السيادة" المزعومة، فحين يُعلن مسؤولون رسميون نيتهم إلغاء اتفاقيات أوسلو ومنع قيام دولة فلسطينية وفرض "السيادة الكاملة" على الأراضي المحتلة، فإن الأمر يتجاوز حدود الخطاب إلى محاولة إعادة صياغة المشهد برمّته على أساس أحادي ينسف ما تبقى من مسار سياسي هشّ.
فوفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، تُعدّ الضفة الغربية أرضا محتلة منذ عام 1967، ويخضع وضعها القانوني لاتفاقيات جنيف الرابعة التي تحظر ضمّ الأراضي بالقوة أو نقل السكان إلى الأرض المحتلة، كما تؤكد قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 242 والقرار 2334، عدم شرعية الاستيطان وضرورة التوصل إلى حلّ قائم على دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في أمن وسلام، غير أن الخطاب الرسمي الصهيوني يتجه، أكثر من أي وقت مضى، نحو السّعي إلى تثبيت واقع ميداني مغاير لهذه المرجعيات.
ومن الثابت أن الحديث عن "إرث الآباء والأجداد" الكاذب لا يُغيّر من حقيقة أن القانون الدولي لا يُقرّ بشرعية الضم أو فرض السيادة على أرض محتلة، فالصراعات الحديثة لا تُحسم بسرديات تاريخية موهومة، بل باحترام القواعد التي ارتضاها المجتمع الدولي لتنظيم العلاقات بين الدول والشعوب، وكل محاولة لتكريس واقع جديد بالقوة لا تعني سوى إطالة أمد النزاع وتعميق جراحه.
ولا شكّ أن الخطورة في هذه المرحلة تكمن في التلاقي بين الخطاب السياسي والتوسع الاستيطاني على الأرض، فالتصريحات حول إلغاء اتفاقيات أوسلو لا تنفصل عن تسارع بناء المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتشديد القيود على الحركة، وإضعاف السلطة الفلسطينية، في عملية تراكمية تُفضي عمليا إلى محاولة تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للحياة.
وإذا كانت اتفاقيات أوسلو قد تعرّضت لانتقادات واسعة منذ توقيعها، فإنها ظلت، رغم عثراتها، الإطار السياسي الوحيد المعترف به دوليا لتنظيم العلاقة بين الطرفين، وبالتالي فإن إلغاؤها من جانب واحد يعني عمليا نسف أي التزام سابق، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع بدل حله، وتكريس الاحتلال بدل إنهائه.
أما على المستوى العربي والإسلامي، فإن القضية الفلسطينية تظل، رغم تبدل الأولويات، قضية مركزية ترتبط بالهوية والعدالة والاستقرار الإقليمي، وأي مساس بإمكانية قيام الدولة الفلسطينية لن يمرّ دون انعكاسات أوسع، لأن السلام الحقيقي لا يُبنى على إنكار حقوق شعب بأكمله، بل على الاعتراف بالحق الفلسطيني والالتزام بالقانون الدولي.
إن مواصلة السياسات الاحتلالية والتوسعية الصهيونية الغاشمة لا تخدم استقرار المنطقة ولا أمنها، فالتجارب التاريخية أثبتت أن فرض الوقائع بالقوة لا يُنتج سلاما دائما، بل يؤسس لدورات متجددة من التوتر، ووحده المسار القائم على العدالة والمساواة واحترام الحقوق يمكن أن يفتح أفقا مختلفا.
إن ما نعيشه اليوم هو لحظة اختبار جديدة، فإما أن يُعاد الاعتبار لمنطق القانون والشرعية الدولية، أو يُترك المجال لمعادلة القوة وحدها التي ستجرّ العالم إلى صراعات وتوترات، وفي كلتا الحالتين، ستظل فلسطين عنوانا مفتوحا في ضمير الأمة والعالم، إلى أن تتحقق تسوية عادلة تنهي الاحتلال وتمنح الشعب الفلسطيني حقه في دولة مستقلة ذات سيادة.
هاشم بوعزيز
ليست التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزراء في الحكومة الصهيونية مجرد مواقف انتخابية عابرة، بل تعكس توجها سياسيا واضحا يسعى إلى تكريس واقع احتلالي دائم في الضفة الغربية، تحت مسمّى "بسط السيادة" المزعومة، فحين يُعلن مسؤولون رسميون نيتهم إلغاء اتفاقيات أوسلو ومنع قيام دولة فلسطينية وفرض "السيادة الكاملة" على الأراضي المحتلة، فإن الأمر يتجاوز حدود الخطاب إلى محاولة إعادة صياغة المشهد برمّته على أساس أحادي ينسف ما تبقى من مسار سياسي هشّ.
فوفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، تُعدّ الضفة الغربية أرضا محتلة منذ عام 1967، ويخضع وضعها القانوني لاتفاقيات جنيف الرابعة التي تحظر ضمّ الأراضي بالقوة أو نقل السكان إلى الأرض المحتلة، كما تؤكد قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 242 والقرار 2334، عدم شرعية الاستيطان وضرورة التوصل إلى حلّ قائم على دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في أمن وسلام، غير أن الخطاب الرسمي الصهيوني يتجه، أكثر من أي وقت مضى، نحو السّعي إلى تثبيت واقع ميداني مغاير لهذه المرجعيات.
ومن الثابت أن الحديث عن "إرث الآباء والأجداد" الكاذب لا يُغيّر من حقيقة أن القانون الدولي لا يُقرّ بشرعية الضم أو فرض السيادة على أرض محتلة، فالصراعات الحديثة لا تُحسم بسرديات تاريخية موهومة، بل باحترام القواعد التي ارتضاها المجتمع الدولي لتنظيم العلاقات بين الدول والشعوب، وكل محاولة لتكريس واقع جديد بالقوة لا تعني سوى إطالة أمد النزاع وتعميق جراحه.
ولا شكّ أن الخطورة في هذه المرحلة تكمن في التلاقي بين الخطاب السياسي والتوسع الاستيطاني على الأرض، فالتصريحات حول إلغاء اتفاقيات أوسلو لا تنفصل عن تسارع بناء المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وتشديد القيود على الحركة، وإضعاف السلطة الفلسطينية، في عملية تراكمية تُفضي عمليا إلى محاولة تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا وقابلة للحياة.
وإذا كانت اتفاقيات أوسلو قد تعرّضت لانتقادات واسعة منذ توقيعها، فإنها ظلت، رغم عثراتها، الإطار السياسي الوحيد المعترف به دوليا لتنظيم العلاقة بين الطرفين، وبالتالي فإن إلغاؤها من جانب واحد يعني عمليا نسف أي التزام سابق، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع بدل حله، وتكريس الاحتلال بدل إنهائه.
أما على المستوى العربي والإسلامي، فإن القضية الفلسطينية تظل، رغم تبدل الأولويات، قضية مركزية ترتبط بالهوية والعدالة والاستقرار الإقليمي، وأي مساس بإمكانية قيام الدولة الفلسطينية لن يمرّ دون انعكاسات أوسع، لأن السلام الحقيقي لا يُبنى على إنكار حقوق شعب بأكمله، بل على الاعتراف بالحق الفلسطيني والالتزام بالقانون الدولي.
إن مواصلة السياسات الاحتلالية والتوسعية الصهيونية الغاشمة لا تخدم استقرار المنطقة ولا أمنها، فالتجارب التاريخية أثبتت أن فرض الوقائع بالقوة لا يُنتج سلاما دائما، بل يؤسس لدورات متجددة من التوتر، ووحده المسار القائم على العدالة والمساواة واحترام الحقوق يمكن أن يفتح أفقا مختلفا.
إن ما نعيشه اليوم هو لحظة اختبار جديدة، فإما أن يُعاد الاعتبار لمنطق القانون والشرعية الدولية، أو يُترك المجال لمعادلة القوة وحدها التي ستجرّ العالم إلى صراعات وتوترات، وفي كلتا الحالتين، ستظل فلسطين عنوانا مفتوحا في ضمير الأمة والعالم، إلى أن تتحقق تسوية عادلة تنهي الاحتلال وتمنح الشعب الفلسطيني حقه في دولة مستقلة ذات سيادة.
هاشم بوعزيز