مع الشروق : الرياضة قطاع «سيادي» أيضا..

مع الشروق : الرياضة قطاع «سيادي» أيضا..

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/19

يحظى قطاع الرياضة في بلادنا بنسبة هامة من الميزانية العامة للدولة تناهز 1.6 %، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالنسب التي تخصصها بعض الدول من الانفاق العام لهذا القطاع. غير ان قيمة هذه النسبة لا تنعكس في بلادنا على أرض الواقع عندما ننظر الى وضعية القطاع الرياضي وخاصة الى النتائج التي تحققها رياضتنا قاريا ودوليا، وآخرها نتائج الفريق الوطني لكرة القدم في نهائيات كأس العالم وقبلها في نهائيات كأس افريقيا والكأس العربية. فهذه النتائج السلبية المحققة لا يمكن ان تكون سوى مرآة عاكسة لحال القطاع الرياضي برمته.. 
رغم ان تونس كانت سباقة منذ سنوات الاستقلال الأولى إلى إرساء قطاع رياضي متطور من حيث المنشآت الرياضية والقوانين المنظمة للقطاع والهياكل الرياضية والجمعيات والنخب والنتائج المحققة واحتضان تظاهرات دولية وقارية، إلا أن تقلبات عديدة اصابت القطاع وأثرت على صورته وعلى مردوده. حيث ظهرت عليه، خاصة خلال السنوات التي تلت 2011، بعض بوادر التهميش والفوضى والضعف، والتي باتت تتطلب اليوم اكثر من أي وقت مضى تدخلا عاجلا للتشخيص ثم للانقاذ قبل مزيد تفاقم الوضع.
يكشف حال البطولات الوطنية في مختلف الرياضات ونتائج النخب الوطنية والفرق التونسية في المسابقات القارية والدولية عن ان القطاع الرياضي فقد جانبا هاما من صلابته وقوته واشعاعه القاري والعربي والدولي. وما زاد الطين بلة هو تردي حالة المنشآت الرياضية في مختلف انحاء البلاد والفوضى التي أصبحت سائدة على مستوى تسيير الهياكل والجمعيات الرياضية واستشراء العنف الرياضي داخل الملاعب وخارجها والذي كان من ابرز مخلفاته تغييب الجماهير الرياضية عن الملاعب ونفور الشباب عن ممارسة الأنشطة الرياضية.
كغيره من القطاعات، أصبحت تحوم حول قطاع الرياضة شبهات فساد وسوء تسيير وتصرف وطغت خدمة المصالح الشخصية والفئوية الضيقة على المصلحة العامة. وقد تسبب ذلك أكثر من مرة في إضفاء أجواء مشحونة داخل القطاع وبين الفرق الرياضية وداخل فرق النخبة ولدى الرأي العام والجماهير الرياضة. وكان من الطبيعي ان يؤدي ذلك الى التاثير سلبا على وضعية ونتائج الفرق الوطنية وفي مقدمتها المنتخب الوطني لكرة القدم الذي يمثل في عديد الدول محرارا لقياس حالة القطاع الرياضي ولمدى التطور العام في المجتمعات.
تحولت الرياضة اليوم في عديد دول العالم الى قطاع "سيادي" تخصص له الحكومات اهتماما خاصا وجهودا كبرى وأحيانا تمويلات استثنائية (من خارج الميزانية) للنهوض به وتطويره وتضع استراتيجيات وطنية لذلك بدء بالبنى التحتية القاعدية في المدن والاحياء والارياف وصولا الى المنشآت الرياضية الكبرى. فبالإضافة الى طابعها الترفيهي، تساهم الرياضة بشكل كبير في ترسيخ الهدوء الاجتماعي وفي تهذيب الذوق العام للناس وفي حماية الشباب من مخاطر الانحراف والتطرف والجريمة.
وأكثر من ذلك أصبحت الرياضة في العالم قطاعا اقتصاديا وتنمويا بامتياز من حيث مساهمته في الناتج المحلي وفي تحريك العجلة الاقتصادية وتوفير مواطن الشغل والمساهمة في دعم احتياطي العملة الصعبة. إضافة الى ما اصبحت تمثله الرياضات من قوة ترويجية هامة لصورة الدولة اجتماعيا وثقافيا ومن قوة جذب سياحي في إطار ما يعرف ب"السياحة الرياضية" وجذب للاستثمارات الخارجية وأيضا في مجال تطوير المبادلات والشراكات مع الدول ومع الهياكل الرياضية الدولية والقارية في القطاع الرياضي.
ينتظر التونسيون اليوم استراتيجية وطنية عاجلة وذات أولوية للنهوض بالقطاع الرياضي وتصنيفه "قطاعا سياديا". ولا يمكن ان يتم ذلك إلا من خلال معالجة جذرية للواقع السائد اليوم ووضع حدّ، بقوة القانون والدولة وبإرادة سياسية عليا، وإن لزم الامر بنص قانوني جديد، لكل مظاهر الفوضى والعنف والفساد وسوء التسيير والحوكمة داخله. وبالتوازي مع ذلك لا بد من استراتيجية أخرى عاجلة للنهوض بالمنشآت الرياضية والاستعانة بمصادر تمويل دولية او في إطار شراكات اجنبية، والتركيز على التكوين القاعدي للناشئة في مختلف الرياضات ومزيد دعم الجمعيات الرياضية والرياضات الفردية. فبذلك يمكن للرياضة في بلادنا ان تستعيد، ولو بعد سنوات، بريقها المفقود ودورها في النهوض الاقتصادي والتنموي وفي تحقيق الرقي الاجتماعي ..
فاضل الطياشي
 

تعليقات الفيسبوك