مع الشروق : افريقيا من التبعية إلى الشراكة

مع الشروق : افريقيا من التبعية إلى الشراكة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/11/02

لم تعد إفريقيا اليوم مجرد قارة غنية بثروات تتنافس القوى الكبرى على استغلالها، بل أصبحت رقما متزايد الأهمية في معادلات القوة الدولية، وفضاء استراتيجيا تتجه إليه أنظار العالم في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
 فالقارة التي عانت طويلا من الاستعمار والاستنزاف والتبعية الاقتصادية، باتت تبحث عن موقع جديد جدير بأهميتها  ويتيح لها امتلاك قرارها وتوظيف مقدراتها لخدمة شعوبها.
ولعل القمّة الروسية الإفريقية الثالثة التي احتضنتها موسكو يومي 28 و29 أكتوبر الجاري بمشاركة 48 دولة إفريقية، من بينها 22 دولة ممثلة برؤساء دولها، تعكس هذا التوجه نحو تنويع الشراكات وفتح آفاق جديدة للتعاون، فإفريقيا تدرك اليوم أن مستقبلها لا يمكن أن يظل رهين علاقات تقليدية لم تنجح في تحويل ثرواتها الهائلة إلى تنمية حقيقية، وأن من حقها الانفتاح على مختلف القوى الدولية واختيار الشركاء الذين يستجيبون لتطلعاتها.
وعلى هذا الأساس، تكتسب الشراكة مع روسيا أهمية خاصة بالنظر إلى ما يجمع الطرفين من إرث تاريخي يعود إلى مرحلة حركات التحرّر والاستقلال، حين ساهم الاتحاد السوفياتي في دعم عدد من الشعوب الإفريقية، وفتح جامعاته أمام آلاف الطلبة في الطب والهندسة والصناعات ساهموا لاحقا في بناء مؤسسات بلدانهم. واليوم تتجدد هذه العلاقة برهانات اقتصادية وعلمية واستراتيجية أوسع تشمل الطاقة والنفط والغاز والزراعة والحبوب والأسمدة والتعدين والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول الإفريقية تجاوز 27 مليار دولار سنة 2025، فيما أفضت القمة إلى اعتماد خطة تعاون للفترة 2027-2029 تتضمن 236 إجراء، بما يعكس الرغبة في الانتقال بالعلاقات من مستوى التفاهمات السياسية إلى برامج عملية ، وهي مجالات يمكن أن تفتح أمام الدول الإفريقية فرصا مهمة لتعزيز أمنها الغذائي والطاقي وتطوير بنيتها الصناعية والعلمية.
ولم تغب عن القمة تطلعات القارة إلى إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز تمثيلها في مجلس الأمن، واحترام سيادة الدول وحقها في اختيار مساراتها التنموية بعيدا عن الإملاءات والعقوبات الأحادية ، فإفريقيا التي ظلت لعقود طويلة خارج دوائر التأثير في القرارات الدولية، لم تعد تقبل بأن تكون حاضرة بثرواتها وغائبة بصوتها ومصالحها.
إن أهمية التقارب الروسي الإفريقي تكمن أساسا في ما يتيحه للقارة من خيارات أوسع وشراكات أكثر تنوعا، بعيدا عن منطق الارتهان لمحور دولي واحد، والمطلوب ليس استبدال تبعية بأخرى، وإنما بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وتحويل الثروات الإفريقية إلى قيمة مضافة داخل بلدانها.
قمة موسكو يبدو انها فتحت آفاقا جديدة أمام هذه الشراكة، لكن نجاحها سيظل مرتبطا بقدرتها على مغادرة قاعات الاجتماعات إلى ميادين الإنجاز. فإفريقيا لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها بقدر ما تحتاج إلى شركاء يحترمون خياراتها ويساهمون في تحقيق تطلعات شعوبها. أما المستقبل الذي تنشده، فهو مستقبل تكون فيه سيدة قرارها، وشريكا في صناعة عالم متعدد الأقطاب، لا مجرد ساحة تتصارع فوقها مصالح الآخرين.
راشد شعور

تعليقات الفيسبوك