مع الشروق : إلى أين يتّجه الصراع بين إيران وأمريكا؟

مع الشروق : إلى أين يتّجه الصراع بين إيران وأمريكا؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/05

 يعيش الصراع بين إيران والولايات المتحدة الامريكية "حالة فريدة" من الجمود الاستراتيجي، يمكن وصفها بدقة بـ"اللاحرب واللا سلم"، حيث لم ينجح الخيار العسكري في حسم الامر بينما لا يزال الحل السلمي يراوح مكانه.
هذه الحالة ليست جديدة في العلاقات الدولية، لكنها في السياق الإيراني الأمريكي بلغت مستوى معقدًا يجعل من الصعب التنبؤ بمآلاتها، فمن جهة ترفض واشنطن القبول بالشروط الإيرانية التي طُرحت في إطار تفاوضي غير مباشر ( 14 بندا)، ومن جهة أخرى لا تبدو طهران مستعدّة لتقديم تنازلات جوهرية تمس سيادتها أو برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
وأحد أبرز معالم هذا الجمود هو تآكل أدوات الضغط التقليدية، فالعقوبات الاقتصادية رغم قسوتها، لم تنجح في تغيير السلوك الاستراتيجي الإيراني بشكل حاسم، بل دفعت طهران إلى تطوير اقتصاد مقاوم وتوسيع شراكاتها مع قوى دولية كالصين وروسيا.
 في المقابل، لم تعد القوة العسكرية خيارًا سهلًا للولايات المتحدة، ليس فقط بسبب التكلفة الباهظة لأي مواجهة محتملة، بل أيضًا نتيجة التحولات في الرأي العام الأمريكي الذي أصبح أقل تقبّلا للحروب الطويلة بعد تجارب العراق وأفغانستان.
كما أن البيئة الدولية لم تعد مواتية لحرب تقليدية واسعة، فحلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا يبدون تحفظًا واضحًا تجاه الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران، إدراكًا منهم لتعقيدات المشهد وتداعياته الاقتصادية، خاصة في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي.
إضافة إلى ذلك، فإن أي تصعيد عسكري قد يؤدّي إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية المظطربة حاليا بطبعها، وهو ما سيؤثّر بشكل مباشر على الأسواق والأسعار، ويزيد من الضغوط التضخمية عالميًا.
وفي هذا السياق، يبدو الكيان الصهيوني اللاعب الوحيد الذي يدفع باتجاه التصعيد، انطلاقًا من مزاعم مخاوفه الأمنية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، غير أن قدرته على فرض خيار الحرب تبقى محدودة دون دعم أمريكي مباشر وشامل، وهو دعم لا يبدو متاحًا بالشكل المطلوب في المرحلة الراهنة.
إزاء هذا الانسداد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة، أولها استمرار الوضع الحالي، أي إدارة الصراع بدل حله، عبر رسائل ردع متبادلة وعمليات محدودة غير مباشرة، سواء في الخليج أو عبر أطراف إقليمية، و هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، لأنه يحقّق توازنًا هشًا يسمح لكل طرف بالحفاظ على ماء الوجه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
السيناريو الثاني فيتمثل في العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن بشروط جديدة أكثر واقعية، و قد يتطلب ذلك وساطة دولية فعالة وربما إعادة صياغة الاتفاق النووي بشكل تدريجي، يراعي مخاوف الطرفين، لكن نجاح هذا المسار مرتبط بوجود إرادة سياسية حقيقية، وهو أمر لا يزال غامضًا في ظل التجاذبات الداخلية في كلا البلدين.
أما السيناريو الثالث، فهو الانفجار المفاجئ نتيجة خطأ في الحسابات أو حادث غير محسوب، ما قد يؤدي إلى تصعيد سريع وخطير، ورغم أن هذا الخيار غير مرغوب فيه من الطرفين، إلا أنه يظل قائمًا في ظل كثافة الاحتكاكات غير المباشرة.
في المحصّلة، يبدو أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة لن يُحسم قريبًا، بل سيظل في حالة سيولة استراتيجية، و الحل لن يكون عسكريًا بقدر ما سيكون سياسيًا طويل النفس، يتطلب إعادة بناء الثقة وتقديم تنازلات متبادلة، وإلى ذلك الحين سيبقى العالم يدفع ثمن هذا الجمود، اقتصاديًا وأمنيًا، في انتظار مخرج لم تتضح ملامحه بعد.
بدرالدّين السّيّاري
 

تعليقات الفيسبوك