مع الشروق : أمريكا ـ إسرائيل: خلاف عابر.. أم افتراق طرق؟

مع الشروق : أمريكا ـ إسرائيل: خلاف عابر.. أم افتراق طرق؟

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/24

الحرب الكلامية المفتوحة بين كبار المسؤولين في الادارة الأمريكية وبين المسؤولين الصهاينة ليست حدثا عابرا ولا هي نتاج تعكّر أمزجة أو سوء تفاهم ستبدّده الأيام.. ما حدث أعمق من ذلك بكثير.. بل ولعلّه يشي بافتراق طرق وبتعارض مصالح وتبدّل حسابات.. فهل دخلت العلاقات الأمريكية ـ الاسرائيلية منعرج اللاعودة؟
أحداث عديدة تواترت في منطقة الشرق الأوسط ومهّدت لهذا المغص الذي يضرب علاقة الحليفين ويدفع حساباتهما ومصالحهما إلى منطقة اضطراب وتناقض قد تفضي إلى قطيعة نهائية بالنظر إلى تبدل المشهد اقليميا ودوليا وانقلاب الحسابات الاستراتيجية. ولا يمكن في هذا الباب المرور دون التوقف عند حرب غزة.. تلك الحرب الظالمة التي شنها نتنياهو وتفنّن خلالها في تدمير كل شيء: البشر والشجر والحجر.. دور العبادة والمدارس والمستشفيات.. وتلك الحرب التي تحوّلت إلى حرب إبادة جماعية كشفت الوجه الحقيقي للصهيونية.. وعرّت طبيعة الوحش الذي كان يحسبه الغرب «واحة للديموقراطية» و«زهرة نبتت في رمال الصحراء» فإذا هو كيان عنصري حاقد يتلذذ بالقتل من أجل القتل ويستبيح الابادة الشاملة ولا يعير اهتماما لقوانين ولا لشرائع ولا لصرخات رأي عام عالمي فجّر براكين من الغضب في كل شوارع ومدن العالم تنديدا بالمجازر الصهيونية وتنديدا بجريمة العصر.
لا يفوتنا هنا التوقف عند انجاز الشعب الفلسطيني في غزة وفي الضفة الغربية والمتمثل في ملحمة الصمود التي خطّها بدماء وبجماجم أبنائه والتي كتب بواسطتها قصة صمود أذهلت العالم وحرّكت الضمير الانساني وفضحت الوجه الحقيقي لهذا الكيان العنصري الذي قام منذ قرابة 80 عاما على القتل والارهاب. الشعب الفلسطيني هو الذي حرّر بصموده شعوب العالم من الغشاوة التي كانت تغطي العيون والضمائر وتحول دون رؤية هذا الكيان المتوحش على حقيقته.
بعد ملحمة الشعب الفلسطيني جاءت ملحمة أخرى خطّها الشعب الايراني بصموده الأسطوري وبقدرته على منازلة العدوان الأمريكي ـ الصهيوني وعلى كسر شوكة الطغيان وإلحاق خسائر فادحة بالحليفين الصهيوني والأمريكي. خسائر عسكرية واقتصادية واستراتيجية زادت في كشف الوجه القبيح لمحور الشر.. وزادت كذلك في كشف الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني الذي جرّ أقدام ترامب إلى حرب ليست حرب أمريكا.. ليكتشف ترامب في الأخير أنه وقع في فخ نتنياهو وأنه تورّط في حرب خاسرة على طول الخط.. حرب دفعته إلى النظر في المرآة ليكتشف أنه باندفاعه وراء نتنياهو يقود أمريكا إلى هاوية باتت تهدد مكانتها الريادية في العالم وباتت تهدد بتقويض نظامها الدولي الأحادي وبتسليم مفاتيح العالم إلى الغريمين الصين وروسيا اللذين يديران من وراء الحجب لعبة ذكية وخبيثة تساعد ايران على الصمود وتفتح طريق الانهيار أمام أمريكا.. وهو ما دفع ترامب وإدارته إلى التوقف وطرح السؤال الحقيقي: ولماذا نسير وراء اسرائيل إلى انهيار محقق، ولماذا نخوض حروبا خاسرة هي في الأخير حروب اسرائيل وليست حروب أمريكا؟
والجواب عن هذا السؤال كان يقود أمريكا حتما إلى ايجاد سبيل لوقف هذه الحرب وبالتالي التخلص من نزيف لا يؤدي إلا إلى الانهيار.. ولأن الصهاينة لا يريدون في نهاية المطاف أصدقاء بل يريدون تابعين وخانعين وخاضعين وعبيدا ليسوقوهم إلى حيث تكون مصالح اسرائيل فإنهم سرعان ما انقلبوا على ترامب وعلى نائبه الذي خرج للعالم ليكشف الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني وليذكر اسرائيل بأنها باتت كيانا منفردا معزولا لا أصدقاء له في العالم وبأنه يستمد أسباب بقائه من دعم أمريكا ليس إلا. وبذلك يكون المسؤولون الأمريكيون قد التحقوا بالمزاج العام الذي عبّر عنه الشعب الأمريكي في المظاهرات الطوفانية العارمة التي شهدتها المدن الأمريكية دعما لغزة ودعما لحرية فلسطين وتنديدا بالمجازر الصهيونية الرهيبة.. وبذلك تكون أمريكا قد فتحت صفحة جديدة في علاقتها بالكيان الذي أرادته قاعدة تابعة لها فإذا به يتحول إلى وحش كاسر لا يتردد حتى في التمرد على أولياء نعمته.
وعودا على بدء: هل تكون الحرب الكلامية بين الطرفين حدثا عابرا أم بداية افتراق مصالح؟ وللإجابة نقول ان الشرخ الذي حدث هو شرخ فعلي وحقيقي. وان بقاء نتنياهو في السلطة سوف يزيد في تعميقه ليأخذه إلى نقطة اللاعودة. وأنه لا نجاة للكيان من العزلة الشاملة إلا برحيل نتنياهو الذي يمتلك أجندا توراتية تدفعه إلى العربدة في الشرق الأوسط لهثا وراء «اسرائيل الكبرى» والذي يريد جرّ أمريكا جرّا إلى حروبه التي لا تنتهي.. والذي يمتلك أيضا أجندا سياسية داخلية تدفعه دوما إلى مزيد من الحروب هربا من ملاحقات قضائية تشرع أمامه أبواب السجن..
فهل ندعو له بالبقاء لتتعمّق القطيعة مع أمريكا وتتكرس عزلة الكيان الصهيوني ويتواصل تراكم مؤشرات انهياره وزواله نهائيا.
عبد الحميد الرياحي

تعليقات الفيسبوك