مع الشروق : «عام الكروفات»!
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/26
يبدو أن تونس وجدت أخيرا القضية التي تستحق أن يجتمع حولها الناس ويتبادلون بشأنها التحاليل والتأويلات، وتشتعل في المقاهي والأسواق والبيوت من أجلها النقاشات.. القضية ليست البطالة، ولا الأسعار التي تلتهم الأجور قبل منتصف الشهر، ولا المستشفيات التي يطول فيها الانتظار حتى يكاد المريض ينسى سبب مجيئه.. إنها الكروفات، يا سادة! الكروفات التي خرجت من البحر لتحتل الرؤوس .
في الذاكرة التونسية ما زال يتردد ذكر «سنة الجراد»، تلك السنة التي ظل الناس يؤرخون بها بعض الأحداث ، ويبدو أن هذه السنة ستُحفظ هي الأخرى في الذاكرة الجماعية باسم عام جراد البحر او ببساطة «عام الكروفات»، ليدخل بذلك جراد البحر في منافسة مع الجراد في ذاكرة التونسيين !.
فجأة أصبحنا جميعا خبراء في الكروفات والمقلوبة والروزي والشوفرات، هذا يتحدث عن وفرتها، وذاك يشرح أسباب ظهورها، وثالث يتساءل عن أسعارها، ورابع يستحضر ذكرياته معها حين كانت تزور المائدة في المناسبات الكبرى، لا بصفتها أكلة بحرية، بل باعتبارها ضيفا من أصحاب المقامات العالية يستوجب حضوره استعدادا ماليا ونفسيا، وربما اجتماعا عائليا لتوزيع المسؤوليات وقرضا من البنك قبل قرض «الزوالي» بلا فائض والذي تأخر كثيرا..
إلى وقت قريب كان المستهلك يكتفي بالنظر إليها عند «الحوات» فينظر اليها كما ينظر المرء إلى سيارة فاخرة في الطريق، ثم يمضي إلى بيته محملا بكيلوغرام من « السردينة « وفاء للميزانية التي لا تتحمل أكثر من "السردينة "!.
هذا العام ، وقبلها بأعوام قليلة تبدلت الأحوال، وصارت المقلوبة حديث الناس، حتى ليخيل للبعض أن البلاد اكتشفت ثروة جديدة، أو أن البحر أعلن عن اكتتاب وطني مفتوح في الجمبري !.
وما أجمل تونس حين تتحدث في موضوع واحد! فلا انقسام حول الكروفات، ولا خلاف على هوية الروزي، ولا حاجة إلى لجان للتوافق بشأن الشوفرات ..الجميع يريد أن يعرف: لماذا كثرت؟ ولماذا انخفض سعرها؟ وهل تستمر الوفرة؟ وهل نشتري الآن أم ننتظر مزيدا من التخفيضات ونخزن منها لشهر رمضان « فللبريكة» بطعم «الكروفات» مذاق خاص يا سادتي ..
« المقلوبة» التي انعمنا الله بها هذا العام رأفة بحالنا ، لم تفعل شيئا سوى أنها ظهرت بكثرة ، فمنحناها بفضل تراجع اسعارها من الاهتمام ما لم نمنحه لكثير من القضايا التي تتسلل إلى حياتنا يوميا ، فالمواطن الذي يكتشف زيادة جديدة في مصاريفه قد يتنهد ويمضي، والذي يسمع عن أزمة في قطاع حيوي قد يهز رأسه أسفا ويرفع يديه يشكو الرحمان فقط.. أما مع «الشوفرات» الرخيصة فالوضع يستدعي التحقيق والتحليل وتبادل الأخبار، وربما إعداد نشرات خاصة!
لا عيب في أن نفرح بتراجع الأسعار، ولا في أن يأكل التونسي «الكروفات» دون أن يضطر إلى الاقتراض من أجلها.. العيب أن يصبح الرخيص حدثا استثنائيا، وأن نعتاد من الغلاء ما يجعل الاعتدال معجزة تستحق الاحتفال !.
هنيئًا لنا بالكروفات في «عجتها» و»صوصها «و»مقرونتها» فقد أعادت بعض البهجة إلى الموائد وربما إلى نشرات الأخبار .. لكن يبقى السؤال: هل ستظل تونس تتحدث عنها حتى تنتهي الكميات، أم سنجد بعدها موضوعا آخر نتلهى به بينما تواصل بقية الملفات انتظار دورها؟
في انتظار الجواب، لنترك «للروزي» مكانا رئيسيا في موائدنا، وللقضايا الأخرى مكانا جوهريا في رؤوسنا ، فليس من المعقول أن تخرج الكروفات من البحر بوفرة، فتغرق تونس كلها في الكروفات!.
راشد شعور
يبدو أن تونس وجدت أخيرا القضية التي تستحق أن يجتمع حولها الناس ويتبادلون بشأنها التحاليل والتأويلات، وتشتعل في المقاهي والأسواق والبيوت من أجلها النقاشات.. القضية ليست البطالة، ولا الأسعار التي تلتهم الأجور قبل منتصف الشهر، ولا المستشفيات التي يطول فيها الانتظار حتى يكاد المريض ينسى سبب مجيئه.. إنها الكروفات، يا سادة! الكروفات التي خرجت من البحر لتحتل الرؤوس .
في الذاكرة التونسية ما زال يتردد ذكر «سنة الجراد»، تلك السنة التي ظل الناس يؤرخون بها بعض الأحداث ، ويبدو أن هذه السنة ستُحفظ هي الأخرى في الذاكرة الجماعية باسم عام جراد البحر او ببساطة «عام الكروفات»، ليدخل بذلك جراد البحر في منافسة مع الجراد في ذاكرة التونسيين !.
فجأة أصبحنا جميعا خبراء في الكروفات والمقلوبة والروزي والشوفرات، هذا يتحدث عن وفرتها، وذاك يشرح أسباب ظهورها، وثالث يتساءل عن أسعارها، ورابع يستحضر ذكرياته معها حين كانت تزور المائدة في المناسبات الكبرى، لا بصفتها أكلة بحرية، بل باعتبارها ضيفا من أصحاب المقامات العالية يستوجب حضوره استعدادا ماليا ونفسيا، وربما اجتماعا عائليا لتوزيع المسؤوليات وقرضا من البنك قبل قرض «الزوالي» بلا فائض والذي تأخر كثيرا..
إلى وقت قريب كان المستهلك يكتفي بالنظر إليها عند «الحوات» فينظر اليها كما ينظر المرء إلى سيارة فاخرة في الطريق، ثم يمضي إلى بيته محملا بكيلوغرام من « السردينة « وفاء للميزانية التي لا تتحمل أكثر من "السردينة "!.
هذا العام ، وقبلها بأعوام قليلة تبدلت الأحوال، وصارت المقلوبة حديث الناس، حتى ليخيل للبعض أن البلاد اكتشفت ثروة جديدة، أو أن البحر أعلن عن اكتتاب وطني مفتوح في الجمبري !.
وما أجمل تونس حين تتحدث في موضوع واحد! فلا انقسام حول الكروفات، ولا خلاف على هوية الروزي، ولا حاجة إلى لجان للتوافق بشأن الشوفرات ..الجميع يريد أن يعرف: لماذا كثرت؟ ولماذا انخفض سعرها؟ وهل تستمر الوفرة؟ وهل نشتري الآن أم ننتظر مزيدا من التخفيضات ونخزن منها لشهر رمضان « فللبريكة» بطعم «الكروفات» مذاق خاص يا سادتي ..
« المقلوبة» التي انعمنا الله بها هذا العام رأفة بحالنا ، لم تفعل شيئا سوى أنها ظهرت بكثرة ، فمنحناها بفضل تراجع اسعارها من الاهتمام ما لم نمنحه لكثير من القضايا التي تتسلل إلى حياتنا يوميا ، فالمواطن الذي يكتشف زيادة جديدة في مصاريفه قد يتنهد ويمضي، والذي يسمع عن أزمة في قطاع حيوي قد يهز رأسه أسفا ويرفع يديه يشكو الرحمان فقط.. أما مع «الشوفرات» الرخيصة فالوضع يستدعي التحقيق والتحليل وتبادل الأخبار، وربما إعداد نشرات خاصة!
لا عيب في أن نفرح بتراجع الأسعار، ولا في أن يأكل التونسي «الكروفات» دون أن يضطر إلى الاقتراض من أجلها.. العيب أن يصبح الرخيص حدثا استثنائيا، وأن نعتاد من الغلاء ما يجعل الاعتدال معجزة تستحق الاحتفال !.
هنيئًا لنا بالكروفات في «عجتها» و»صوصها «و»مقرونتها» فقد أعادت بعض البهجة إلى الموائد وربما إلى نشرات الأخبار .. لكن يبقى السؤال: هل ستظل تونس تتحدث عنها حتى تنتهي الكميات، أم سنجد بعدها موضوعا آخر نتلهى به بينما تواصل بقية الملفات انتظار دورها؟
في انتظار الجواب، لنترك «للروزي» مكانا رئيسيا في موائدنا، وللقضايا الأخرى مكانا جوهريا في رؤوسنا ، فليس من المعقول أن تخرج الكروفات من البحر بوفرة، فتغرق تونس كلها في الكروفات!.
راشد شعور