مع الشروق :«طفـّـــي الضــو!»

مع الشروق :«طفـّـــي الضــو!»

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/20

​لم يعد "الدّلستاج" (Délestage) مجرد مصطلح تقني يتردد في أروقة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بل تحوّل في هذه الفترة إلى كابوس يومي يعيشه المواطن التونسي في صيف 2026 اللاهب والمستعر. .نعم، خرج المسؤولون ليوضحوا لنا بشفافية متأخرة أن هذا القطع الدوري والمنظم هو "شر لا بد منه" لتفادي الانهيار الشامل للشبكة (Blackout)، وهي حجة تبدو منطقية من الناحية التقنية البحتة، فحماية الشبكة من الانهيار الكامل هي أولوية قصوى، لكن السؤال الحارق الذي يطرحه كل تونسي اليوم ليس "ما هو الدّلستاج؟" بل "لماذا وصلنا أصلا إلى هذه المرحلة الحرجة؟"
​إن الأرقام الصادمة لا تكذب، وتكشف بوضوح حجم الفجوة الطاقية التي نعيشها؛ فمع بلوغ درجات الحرارة عتبة الـ 48 درجة مئوية في بعض مناطق تونسية، قفز معدل الطلب على الاستهلاك ليلامس مستويات قياسية غير مسبوقة تجاوزت حاجز الـ 4850 ميغاوات، مدفوعا بذروة غير متحكم فيها لتشغيل أجهزة التكييف. هذا الضغط الرهيب يضع تونس أمام عجز هيكلي في الإنتاج وهي التي تعتمد بشكل شبه كلي على الغاز الطبيعي المستورد لتوليد الكهرباء، مما يجعل شبكتنا الوطنية رهينة لتقلبات الإمدادات الخارجية ومحدودية القدرة الذاتية على تلبية الاحتياجات الأساسية.
​المفارقة الصارخة تكمن في الغياب التام لثقافة الاستشراف وحوكمة الأزمات ، فموجة الحرارة الاستثنائية لصيف 2026 لم تكن مفاجأة مباغتة؛ فالتقارير المناخية حذرت منذ أشهر من صيف هو الأشد حرارة تاريخيا ،  فلماذا لم يقع الاستعداد الوقائي؟ وأين ذهبت خطط الصيانة الدورية للشبكات المتهالكة ومحطات التوليد المتقادمة ، وتركيز مولدات جديدة ؟ والأهم من ذلك كله، يبرز السؤال الجوهري والمشروع: كيف تم توظيف الميزانية والقروض والتمويلات  بهدف تطوير وتحديث قطاع الكهرباء؟
​إن المخرج الحقيقي من هذا النفق المظلم لا يكمن في حلول ترقيعية من قبيل "طفي الضوء وتو بعد نشوفوا حل"، بل في إحداث ثورة هيكلية في خياراتنا الطاقية عبر الانتقال الفوري نحو الطاقة النظيفة وهنا تصدمنا الأرقام مجددا،  فالتقارير المناخية تؤكد ان تونس تحظى بمعدل سطوع شمس استثنائي يتجاوز 3000 ساعة سنويا مع إشعاع طاقي يومي يفوق 5 كيلوواط/ساعة في المتر المربع. ورغم هذه الثروة الهائلة، فإن الواقع المخيب يشير إلى أن مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء لا تزال تراوح مكانها دون عتبة الـ 5 بالمائة  بسبب البيروقراطية المقيتة والتعطيل الإداري وغياب الارادة في ذلك.
​لقد حان الوقت لتفرض الدولة مخططا وطنيا إلزاميا لتركيز لواقط الطاقة الشمسية الفوتوفولتية (Photovoltaïque) على أسطح كل المؤسسات والمنشآت العمومية بلا استثناء، لتتحول من مستهلك نهم إلى منتجٍ مساند للشبكة.. وبالتوازي مع ذلك، يتوجب على الدولة تذليل العقبات البيروقراطية وإقرار حوافز جبائية وتمويلية حقيقية تشجع المواطن على اعتماد الطاقة الشمسية في مسكنه الشخصي ليكون شريكا في إنتاج طاقته بدلا من انتظار وعود لم تعد تجدي نفعا.
​إن انقطاع التيار الكهربائي بالتوازي مع  انقطاع للماء في بعض المناطق ،ليس مجرد تفصيل يمس "رفاهية" المواطن، بل هو شريان حياة يتوقف فجأة فقد يهدر لا سمح الله أرواح المرضى في بيوتهم ومستشفياتهم، ويعطل عجلة المؤسسات الاقتصادية والمصانع متسبباً في خسائر فادحة تضرب مناخ الاستثمار والخدمات الأساسية في العمق، علاوة على المعاناة اليومية التي تُضاف إلى ما يكابده المواطن أصلاً من ضعف في بعض الخدمات العامة الأخرى.
​ملف الطاقة في تونس يحتاج اليوم إلى مصارحة وطنية متبوعة بخطة استراتيجية شجاعة؛ فالنجاح الحقيقي ليس في إنقاذ الشبكة بساعات قطع مبرمجة على حساب صحة المواطن وراحته ، بل في بناء منظومة طاقية مستدامة لا تضع التونسيين أبداً بين خياري الظلام الدامس أو الانهيار الشامل، كما يتحدث البعض عن ذلك دون خجل!.
راشد شعور

تعليقات الفيسبوك