مع الشروق : «ضياع» القطاعات الاستراتيجية .. الفسفاط نموذج !
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/03
مع تجدد أزمة قطاع الفسفاط في بلادنا، أصبح الخوف كل الخوف من أن يقع «التطبيع» مع اهمال القطاعات التنموية الاستراتيجية بعد ان تعددت الحالات. فالفسفاط ليس القطاع الاستراتيجي الأول الذي أصابه منذ 2011 داء الارتباك والفوضى وسوء التسيير والتصرف وشبهات الفساد والخسائر المالية التي كان بالإمكان تجنبها وتحويلها الى ارباح. حيث سبقته قطاعات عديدة وقع تهميشها بسبب سوء الحوكمة والفساد واخضاعها للحسابات والمصالح السياسية والحزبية.
في السنوات التي تلت 2011 تضرّر قطاع التنقيب عن المحروقات بسبب توجهات «ثورجية» أخرجته عن منطق القواعد المعمول بها دوليا وزجّت به في متاهات جديدة تقوم على البيروقراطية المقيتة و"القاتلة". فتعطل التنقيب والاستكشاف وتراجعت الرخص من أكثر من 50 رخصة في سنة 2010 الى ما دون 15 رخصة حاليا. وهو ما أضعف الإنتاج واصبح يكلف بلادنا عجزا طاقيا واسعا يلتهم النصيب الاوفر من ميزانية الدولة كان بالإمكان تجنبه لو وقعت حماية القطاع من الاهمال.
ومن القطاعات الاستراتيجية الأخرى ذات العلاقة التي وقع اهمالها واضعافها قطاع الطاقات البديلة. فقد ظل هذا القطاع الى حد الآن «يترنح» ولم يتطور ونخرته مظاهر سوء الحوكمة والتعطيلات. وكانت النتيجة مواصلة الدولة الاعتماد على الطاقات التقليدية بكلفتها المالية الباهظة التي فاقمت عجز الميزان الطاقي الى مستويات خطيرة. ولو وقع التوجه منذ سنوات نحو هذا الخيار لكان الوضع المالي للدولة افضل بكثير اليوم ولما ارتفعت تكاليف الطاقة على الدولة والمواطن.
وعلى امتداد اكثر من 15 عاما تواصل تهميش قطاع استراتيجي آخر وهو القطاع السياحي من خلال غياب او تغييب حلول واستراتيجيات التطوير والتغيير، فأغلقت عديد النزل أبوابها وتدهورت البنية التحتية السياحية ولم يتطور المنتوج السياحي وفقدت المناطق السياحية الرئيسية بريقها الذي كانت عليه الى حدود 2010. وبذلك فقدت تونس اليوم جانبا هاما من الاسواق السياحية وفقدت معها مداخيل هامة من العملة الصعبة كان بالإمكان ان تكون سندا هاما للميزانية.
منذ الاستقلال وعلى امتداد عشرات السنين مثل القطاع الفلاحي والصيد البحري ركيزة استراتيجية هامة للاقتصاد الوطني. لكن منذ 2011 وقع اضعاف اهم مقوماته خاصة الفلاح والمنتج الذي أصبح ضحية لوبيات و"عصابات" تتحكم في مسالك توزيع المنتجات الفلاحية وفي أسواق الأسمدة والمبيدات ومعدات الإنتاج أمام عجز الدولة عن التصدي لها وهو ما أدى الى العزوف عن النشاط الفلاحي. ولم تسلم الهياكل العمومية المتدخلة في القطاع على غرار الدواوين وشركات الاحياء من سوء التصرف والفساد وهو مافاقم من ازمة هذا القطاع الاستراتيجي الهام ايضا.
اليوم أصبحت قائمة القطاعات التنموية الاستراتيجية المهددة بالاهمال و»الضياع» وسوء التصرف تتسع شيئا فشيئا. ورغم جهود الدولة في الأعوام الاخيرة لإعادتها على السكة الصحيحة إلا ان حجم الاضرار التي لحقت بهذه القطاعات بعد 2011 كانت أقوى من تلك الجهود وهو ما عطل انقاذها. من ذلك مثلا قطاع النقل العمومي بكل فروعه (البري والبحري والحديدي والجوي) وقطاعا الصحة والتعليم وقطاع التجارة الداخلية ( بسبب ما أصاب مسالك التوزيع من فوضى) والقطاعات التي تمثل قاطرة الصادرات التونسية ( التمور وزيت الزيتون والنسيج والملابس..) والقطاعان الرياضي والثقافي وقطاع الاشغال العمومية والبنى التحتية والاملاك العمومية وغيرها.
وقد كانت نتيجة اهمال هذه القطاعات الاقتصادية والتنموية الاستراتيجية إضعاف اهم ركائز الاقتصاد الوطني وضياع فرص مالية عديدة كان بالإمكان ان تكون اليوم اهم داعم لميزانية الدولة وتُخرجنا من أزمة الصعوبات التي تمر بها المالية العمومية.. فهذه القطاعات تمثل اليوم في عديد الدول – بما في ذلك دول المنطقة والدول الافريقية – قاطرات النمو الاقتصادي والاجتماعي رغم ان تونس كانت سباقة في تركيزها منذ فترة دولة الاستقلال الأولى. ولا خيار اليوم امام الدولة غير ايقاف نزيف اهمال هذه القطاعات الهامة والتحلي بالجرأة والشجاعة لانقاذها ووضع حد لحالة التسيب والفوضى وسوء التصرف التي طالتها منذ 2011 الى اليوم حتى تتحقق الفائدة المرجوة منها.
فاضل الطياشي
مع تجدد أزمة قطاع الفسفاط في بلادنا، أصبح الخوف كل الخوف من أن يقع «التطبيع» مع اهمال القطاعات التنموية الاستراتيجية بعد ان تعددت الحالات. فالفسفاط ليس القطاع الاستراتيجي الأول الذي أصابه منذ 2011 داء الارتباك والفوضى وسوء التسيير والتصرف وشبهات الفساد والخسائر المالية التي كان بالإمكان تجنبها وتحويلها الى ارباح. حيث سبقته قطاعات عديدة وقع تهميشها بسبب سوء الحوكمة والفساد واخضاعها للحسابات والمصالح السياسية والحزبية.
في السنوات التي تلت 2011 تضرّر قطاع التنقيب عن المحروقات بسبب توجهات «ثورجية» أخرجته عن منطق القواعد المعمول بها دوليا وزجّت به في متاهات جديدة تقوم على البيروقراطية المقيتة و"القاتلة". فتعطل التنقيب والاستكشاف وتراجعت الرخص من أكثر من 50 رخصة في سنة 2010 الى ما دون 15 رخصة حاليا. وهو ما أضعف الإنتاج واصبح يكلف بلادنا عجزا طاقيا واسعا يلتهم النصيب الاوفر من ميزانية الدولة كان بالإمكان تجنبه لو وقعت حماية القطاع من الاهمال.
ومن القطاعات الاستراتيجية الأخرى ذات العلاقة التي وقع اهمالها واضعافها قطاع الطاقات البديلة. فقد ظل هذا القطاع الى حد الآن «يترنح» ولم يتطور ونخرته مظاهر سوء الحوكمة والتعطيلات. وكانت النتيجة مواصلة الدولة الاعتماد على الطاقات التقليدية بكلفتها المالية الباهظة التي فاقمت عجز الميزان الطاقي الى مستويات خطيرة. ولو وقع التوجه منذ سنوات نحو هذا الخيار لكان الوضع المالي للدولة افضل بكثير اليوم ولما ارتفعت تكاليف الطاقة على الدولة والمواطن.
وعلى امتداد اكثر من 15 عاما تواصل تهميش قطاع استراتيجي آخر وهو القطاع السياحي من خلال غياب او تغييب حلول واستراتيجيات التطوير والتغيير، فأغلقت عديد النزل أبوابها وتدهورت البنية التحتية السياحية ولم يتطور المنتوج السياحي وفقدت المناطق السياحية الرئيسية بريقها الذي كانت عليه الى حدود 2010. وبذلك فقدت تونس اليوم جانبا هاما من الاسواق السياحية وفقدت معها مداخيل هامة من العملة الصعبة كان بالإمكان ان تكون سندا هاما للميزانية.
منذ الاستقلال وعلى امتداد عشرات السنين مثل القطاع الفلاحي والصيد البحري ركيزة استراتيجية هامة للاقتصاد الوطني. لكن منذ 2011 وقع اضعاف اهم مقوماته خاصة الفلاح والمنتج الذي أصبح ضحية لوبيات و"عصابات" تتحكم في مسالك توزيع المنتجات الفلاحية وفي أسواق الأسمدة والمبيدات ومعدات الإنتاج أمام عجز الدولة عن التصدي لها وهو ما أدى الى العزوف عن النشاط الفلاحي. ولم تسلم الهياكل العمومية المتدخلة في القطاع على غرار الدواوين وشركات الاحياء من سوء التصرف والفساد وهو مافاقم من ازمة هذا القطاع الاستراتيجي الهام ايضا.
اليوم أصبحت قائمة القطاعات التنموية الاستراتيجية المهددة بالاهمال و»الضياع» وسوء التصرف تتسع شيئا فشيئا. ورغم جهود الدولة في الأعوام الاخيرة لإعادتها على السكة الصحيحة إلا ان حجم الاضرار التي لحقت بهذه القطاعات بعد 2011 كانت أقوى من تلك الجهود وهو ما عطل انقاذها. من ذلك مثلا قطاع النقل العمومي بكل فروعه (البري والبحري والحديدي والجوي) وقطاعا الصحة والتعليم وقطاع التجارة الداخلية ( بسبب ما أصاب مسالك التوزيع من فوضى) والقطاعات التي تمثل قاطرة الصادرات التونسية ( التمور وزيت الزيتون والنسيج والملابس..) والقطاعان الرياضي والثقافي وقطاع الاشغال العمومية والبنى التحتية والاملاك العمومية وغيرها.
وقد كانت نتيجة اهمال هذه القطاعات الاقتصادية والتنموية الاستراتيجية إضعاف اهم ركائز الاقتصاد الوطني وضياع فرص مالية عديدة كان بالإمكان ان تكون اليوم اهم داعم لميزانية الدولة وتُخرجنا من أزمة الصعوبات التي تمر بها المالية العمومية.. فهذه القطاعات تمثل اليوم في عديد الدول – بما في ذلك دول المنطقة والدول الافريقية – قاطرات النمو الاقتصادي والاجتماعي رغم ان تونس كانت سباقة في تركيزها منذ فترة دولة الاستقلال الأولى. ولا خيار اليوم امام الدولة غير ايقاف نزيف اهمال هذه القطاعات الهامة والتحلي بالجرأة والشجاعة لانقاذها ووضع حد لحالة التسيب والفوضى وسوء التصرف التي طالتها منذ 2011 الى اليوم حتى تتحقق الفائدة المرجوة منها.
فاضل الطياشي