مع الشروق : فتـاوى العجــز !

مع الشروق : فتـاوى العجــز !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/11

أمام ارتفاع أسعار الأضاحي، نزلت فتوى الشيخ هشام بن محمود مفتي الجمهورية بردا وسلاما على عدد من العائلات، بعد أن ذكّرت بأن الأضحية مرتبطة بالاستطاعة، وأن الدين لا يريد إرهاق الناس أو دفعهم إلى الاستدانة. غير أن ما كشفته هذه الفتوى يتجاوز بعدها الديني، إذ أعادت طرح سؤال أعمق يتعلق بقدرة التونسيين على مجاراة هذا الارتفاع غير المسبوق وبحثهم عن مخرج فقهي أو فتوى تريحهم من تحمل مسؤولية عدم اقتناء «علوش» العيد.
فعيد الأضحى الذي هو موعد سنوي للفرح العائلي والتكافل الإجتماعي، بدأ يتحول في السنوات الأخيرة عند فئات واسعة من المجتمع إلى موسم قلق وحسابات مرهقة بعد أن تجاوزت أسعار الأضاحي في  «البطاحي» والأسواق كل الحدود وباتت تقارب ثلاثة أو أربعة أضعاف الأجر الأدنى المضمون، وهو ما حوّل عيد هذا العام  جعله الله مباركا على الجميع  إلى «مهمة مستحيلة»  لعامل او موظف يلهث يوميا من أجل تغطية مصاريفه الأساسية من غذاء ودواء وكهرباء ونقل وكراء ومصاريف دراسة الأبناء، وغيرها من النفقات.
​الفلاحون والمربون يبررون هذا الارتفاع بكلفة الأعلاف، وهي أسباب كانت حقيقية دون شك في ظل الجفاف الذي سجلته تونس لسنوات، لكنها لا تفسر اليوم هذا الارتفاع الحاد في الأسعار، فالجميع يعرف  أن «القشارة « والوسطاء  الذين احترفوا التسلل إلى الأسواق وفق المناسبات ، يتحكمون في العرض  أكثر من المربين أنفسهم بعد أن تحولت «البطاحي « إلى فضاءات رحبة للمضاربة والجشع.
​الموسم الفلاحي الحالي جاء أفضل نسبيا من السنوات السابقة مناخيا، فقد سجّلت البلاد نزول كميات هامة من الأمطار، وأصبح العشب بالتالي متوفرا في المراعي، ومع ذلك ارتفعت أسعار الأضاحي بشكل يثير الريبة  والاستغراب، وهو ما يؤكد أن الأزمة ليست مرتبطة بالإنتاج فقط، بل بغياب تنظيم حقيقي للانتاج وتطويره  وللسوق وتعديله ، وهو ما ترك المواطن وحيدا أمام فوضى الوسطاء المضاربين المحتكرين الذين استغلوا ارتفاع الطلب مقابل قلة العرض بسبب ضعف الإنتاج الذي أكدته الأرقام ونبهت إليه الأقلام.
​فبالرغم  من علم الجهات المعنية بتراجع قطيع الأغنام وعدم قدرته على تلبية حاجيات العيد مع الارتفاع المسجل في أسعار اللحوم الحمراء ، لم تتحرك وزارة التجارة لتعديل السوق، بل شجّعت المحتكرين على المضاربة حين كشفت عن أعداد للأضاحي التي تعتزم استيرادها لهذا العام !
​أخطر ما كشفه هذا العيد ليس فقط ارتفاع أسعار علوش العيد ، بل التآكل الصامت للقطيع  الذي بات يهدد بصفة مباشرة أمننا الغذائي القومي، فالتقارير تشير إلى تراجع الثروة الحيوانية بنسبة تناهز الـ30 بالمائة في الأعوام الأخيرة بسبب سنوات الجفاف، والتهريب، وضعف الدعم، وهو ما اضطر عديد المربين إلى تقليص نشاطهم أو التفريط في مواشيهم، والنتيجة انعكاس واضح  على القطيع والسوق والأسعار .
المطلوب اليوم وضع سياسة حقيقية لحماية الثروة الحيوانية، واستراتيجية لتطوير قطيع الماشية المتآكل من خلال دعم المربين الصغار، وتنظيم السوق، ومقاومة الاحتكار والمضاربة حتى لا يتحول عيد الأضحى بعد سنوات إلى مناسبة رمزية تعجز عن القيام بشعائرها فئات واسعة من التونسيين ..فحين يصبح المواطن محتاجا إلى فتوى تخفف عنه شعور العجز، فذاك إنذار موجع بأن شيئا عميقا في حياتنا بدأ يتآكل بصمت !.
​راشد شعور
 

تعليقات الفيسبوك