مع الشروق : غضب الطبيعة يعيد رسم السياسات

مع الشروق : غضب الطبيعة يعيد رسم السياسات

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/27

لم يعد المناخ موضوعا مؤجلا لندوات النخب أو تقارير الخبراء المكدسة في أروقة المنظمات الدولية، بل أصبح الحقيقة اليومية الأكثر إلحاحا والتي تفرض نفسها على الشارع والميزانيات الحكومية، فما نشهده اليوم عبر قارات العالم من موجات حر قياسية، وحرائق تلتهم المساحات الخضراء، وحالات جفاف تخنق الأنهار، ليس مجرد تقلبات موسمية عابرة، بل هو إعلان صريح عن دخول الكوكب مرحلة التطرف المناخي التي تعيد تشكيل مفاهيم الأمن القومي والرفاه الاقتصادي من الجذور.
لقد ظل العالم لعقود طويلة يتعامل مع الطبيعة بوصفها خازنا لا ينضب للموارد، ومستوعبا لا ينتهي للمخلفات الكربونية، على أمل أن التطور التكنولوجي كفيل بمعالجة الآثار المترتبة على هذا النهج، غير أن واقع اليوم يثبت أن سرعة التغيرات المناخية وتلاحم آثارها باتت تتجاوز بكثير قدرة الأنظمة التقليدية على التكيف، مما يحول الظواهر الجوية القاسية من مجرد كوارث طبيعية استثنائية إلى صدمات اقتصادية هيكلية ومستدامة.
إن أولى التداعيات المباشرة لهذا التطرف تظهر بوضوح في انهيار المفاهيم الكلاسيكية لإدارة المخاطر، فمؤسسات التأمين العالمية تراجع اليوم حساباتها بالكامل، وتنسحب من مناطق جغرافية شاسعة أصبحت عالية الخطورة، بينما تواجه سلاسل الإمداد والتوريد الشريانية إرباكا متواصلا بفعل توقف الملاحة في ممرات نهرية جافة أو تضرر الموانئ والبنية التحتية جراء العواصف.  من الثابت أن هذا الاضطراب البيئي يضع الأمن الغذائي العالمي على المحك، حيث تتراجع إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية في المناطق الزراعية التاريخية، مما يذكي شرارة التضخم الغذائي ويدفع ملايين البشر نحو خطوط الفقر والنزوح القسري.
أمام هذه المزيج المعقد من الرهانات، تجد السياسات الاقتصادية والبيئية حول العالم نفسها مرغمة على التحول من منطق "التفاعل المؤجل" إلى استراتيجيات "الاستجابة القسرية"، حيث لم يعد تحول الطاقة نحو المصادر النظيفة والمتجددة مجرد خيار رفاهية بيئية أو شعار انتخابي، بل أصبح ضرورة سياسية وسيادية للحد من الارتهان للوقود الأحفوري وتقليل كلفة الخسائر الناجمة عن الانبعاثات، وبالتالي ستضطر الحكومات إلى إعادة توجيه الاستثمارات العامة بكثافة نحو البنية التحتية المرنة، وإصلاح شبكات الطاقة والماء، وفرض ضرائب كربونية أكثر حزما، حتى وإن أدى ذلك إلى إبطاء معدلات النمو القصير الأجل لصالح الصمود الطويل الأجل.
أما على الصعيد السياسي، فإن غضب الطبيعة يعيد رسم خريطة التحالفات والصراعات الدولية، فمسألة "العدالة المناخية" والتوزيع المنصف لأعباء الانبعاثات والتمويل تزداد احتداما في المحافل الدولية، حيث تطالب الدول النامية والهشة مناخيا بالتعويض والاستثمار الاستباقي من الدول الصناعية الكبرى التي كانت السبب الرئيسي في التراكم الكربوني، فالجفاف والفيضانات لم يعودا يتوقفان عند الحدود السياسية للممالك والدول، مما يعني أن استمرار التقاعس عن بناء استجابة دولية ملزمة لن يثمر سوى المزيد من اللا استقرار السياسي، والتدفقات الهجرية غير المنتظمة، وتأجيج التنافس على الموارد الحيوية مثل المياه الصالحة للشرب والأراضي الزراعية.
إن الدرس الواضح الذي يمليه علينا التطرف المناخي اليوم هو أن المعادلة قد تغيرت نهائيا، حيث لم يعد بإمكان الاقتصاد النمو على حساب البيئة، لأن البيئة أصبحت هي المحدد الأول لاستمرارية أي اقتصاد، فالشجاعة السياسية والمراجعة الشاملة لنموذج الإنتاج والاستهلاك العالمي لم تعد مجرد توصيات أخلاقية، بل هي شرط الوجود والاستقرار لأمم الغد.
هاشم بوعزيز

تعليقات الفيسبوك