مع الشروق : عندما يصاب نتنياهو بجنون العظمة
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/03
جنون العظمة لا يقود إلا إلى المهالك.. ونتنياهو أصيب منذ سنوات إن لم نقل منذ عقود بجنون العظمة.. جنون عصف به وجعل فكره المريض يسبح به بعيدا إلى استعادة «مملكة داوود» وإلى تنفيذ تعاليم «أشعياء» التي تقول بأن «أرض اسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات».. ودانت له اللحظة السياسية عربيا واقلميا ودوليا فحمل معاول الهدم والتدمير وراح يتقدم مثل الجرافة لا يلوي على شيء ويدمر كل شيء في طريقه، متوعدا بتغيير خارطة الشرق الأوسط.. وحالما بقضم أراضي 8 دول عربية وبتحطيم إيران قبل التوجه إلى تحطيم تركيا وتقسيمها وتدمير باكستان وتجريدها من سلاحها النووي الذي يقضّ مضجعه.. وسط كل هذا نسي نتنياهو أنه في نهاية المطاف ليس إلا دمية تحركها الادارات الأمريكية المتعاقبة.. ونسي في زحمة الأحداث أن كيانه اللقيط لا يعدو كونه قاعدة عسكرية ثابتة ومتقدمة في قلب الشرق الأوسط.. قاعدة تصلح وتستعمل وظيفيا كرأس حربة لمقارعة القوى الاقليمية التي ترفع رأسها وتتطلع إلى لعب دور اقليمي مثل عراق صدام حسين بالأمس وإيران الثورة الاسلامية اليوم.. كما تصلح لمقارعة أو لاحتواء القوى الدولية المتطلعة للسيطرة على الاقليم بما فيه من ممرات تجارة دولية وبما فيه من نفط ومن غاز وبما يوفره للمتحكم فيه من فرص للسيطرة على سرة العالم وبالتالي على العالم.. وهذا وذاك في شرع أمريكا خطوط حمراء لا يجب حتى التفكير في الاقتراب منها..
وحين ينسى نتنياهو هذه الحقائق ويقفز في لحظات الزهو والغرور على هذه الوقائع فإنه يكون مثل بلهوان نطّ في الهواء دون تفكير في كيفية وفي مكان الهبوط.. هبوط قد يكون قاسيا وقد تكون نتائجه وخيمة.. وبالفعل فقد جاءت اللحظة السياسية التي يتلقى فيها من حليفه ترامب الصفعة المدوية التي أعادته إلى حجمه وجعلته يفتح عيونه على الحقائق وعن الوقائع التي أراد القفز عليها وتجاهلها..
حليفه ترامب الذي دوّخته إيران وحشرته في زاوية ليس فيها إلا الخسران والتراجع أمام خصم أذهله بقدرته على تجاهل القوة الأمريكية بل وتحدّيها لدرجة أنه عبّر صراحة عن استغرابه من سلوك المرشد الأعلى في إيران وكيف أنه لا يخاف كل ترسانة أمريكا البحرية والجوية ولا يتراجع ولا يركع أمامها.. ترامب الذي دخل حرب ايران بناء على معطيات مغلوطة من حليفه نتنياهو اصطدم بحقائق الميدان ولمس قوة ايران إن في ساحات النزال أو على طاولة المفاوضات، بات يبحث له عن مخرج.. ودخل وفريقه المفاوض في مفاوضات مضنية مع القيادة الايرانية.. مفاوضات لا تفوت نقطة ولا فاصلة وتسوق الادارة الأمريكية سوقا إلى مربع تجرّع كأس الهزيمة والتسليم بانتصار إيران.. في هذا الوقت اندفع نتنياهو بتهوره إلى لبنان ساعيا لاصطياد عصفورين بحجر واحد. الأول يتمثل في اعادة غزو لبنان واقتطاع أجزاء منه تأسيسا لمشروعه الكبير.. والثاني يتمثل في التشويش على المفاوضات الأمريكية ـ الايرانية ودفع ايران إلى ردّ الفعل نصرة لحزب الله فيعيد بذلك أمريكا إلى مربع الحرب ويحقق بذلك الأهداف الاسرائيلية بأياد أمريكية..
لكن ترامب الذي أدرك حجم الورطة التي وقع فيها بانسياقه وراء نتنياهو والذي أدرك حجم الفاتورة والخسائر الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية التي منيت بها أمريكا وباتت تهدّد ريادتها عالميا لم يعد في وارد ارتكاب نفس الخطإ مرة أخرى. فاغتنم فرصة اندفاع نتنياهو نحو تنفيذ عدوان واسع على بيروت واندفع بدوره لتفكيك الفخ الذي نصبه نتنياهو لتوريط أمريكا مجددا ولتخريب المفاوضات الأمريكية ـ الايرانية. وبذلك كانت المكالمة الصاخبة التي أجراها مع نتنياهو والتي قرّعه فيها كما لم يقرّعه من قبل.. ليصل الأمر حد وصفه بالغبي واللعين والناكر للجميل بعد أن أنقذه من السجن. ترامب ذكّر نتنياهو بأنه مكروه وبأن بلاده اسرائيل مكروهة في كل العالم وبأن عليه أن يتوقف عن لعب دور المشاغب والمشاكس.
إنها لحظة تاريخية تزيد رصيد إيران عزا وفخارا فهي التي هدّدت بقصف الكيان في حال أقدم نتنياهو على استهداف بيروت.. وهو ما كان يهدد بإعادة اشعال فتيل الحرب من جديد وهو ما دفع ترامب إلى تفجير غضبه في وجه نتنياهو ودفعه إلى التراجع.. أما العرب فإنهم بأنظمتهم وبجيوشهم وبجامعتهم غائبون، نائمون وكأن لبنان وقبله غزة وفلسطين يقعون على كوكب آخر وتقطنهم ملل أخرى لا تمت إلى العرب والعروبة والاسلام بصلة !!
عبد الحميد الرياحي
جنون العظمة لا يقود إلا إلى المهالك.. ونتنياهو أصيب منذ سنوات إن لم نقل منذ عقود بجنون العظمة.. جنون عصف به وجعل فكره المريض يسبح به بعيدا إلى استعادة «مملكة داوود» وإلى تنفيذ تعاليم «أشعياء» التي تقول بأن «أرض اسرائيل تمتد من النيل إلى الفرات».. ودانت له اللحظة السياسية عربيا واقلميا ودوليا فحمل معاول الهدم والتدمير وراح يتقدم مثل الجرافة لا يلوي على شيء ويدمر كل شيء في طريقه، متوعدا بتغيير خارطة الشرق الأوسط.. وحالما بقضم أراضي 8 دول عربية وبتحطيم إيران قبل التوجه إلى تحطيم تركيا وتقسيمها وتدمير باكستان وتجريدها من سلاحها النووي الذي يقضّ مضجعه.. وسط كل هذا نسي نتنياهو أنه في نهاية المطاف ليس إلا دمية تحركها الادارات الأمريكية المتعاقبة.. ونسي في زحمة الأحداث أن كيانه اللقيط لا يعدو كونه قاعدة عسكرية ثابتة ومتقدمة في قلب الشرق الأوسط.. قاعدة تصلح وتستعمل وظيفيا كرأس حربة لمقارعة القوى الاقليمية التي ترفع رأسها وتتطلع إلى لعب دور اقليمي مثل عراق صدام حسين بالأمس وإيران الثورة الاسلامية اليوم.. كما تصلح لمقارعة أو لاحتواء القوى الدولية المتطلعة للسيطرة على الاقليم بما فيه من ممرات تجارة دولية وبما فيه من نفط ومن غاز وبما يوفره للمتحكم فيه من فرص للسيطرة على سرة العالم وبالتالي على العالم.. وهذا وذاك في شرع أمريكا خطوط حمراء لا يجب حتى التفكير في الاقتراب منها..
وحين ينسى نتنياهو هذه الحقائق ويقفز في لحظات الزهو والغرور على هذه الوقائع فإنه يكون مثل بلهوان نطّ في الهواء دون تفكير في كيفية وفي مكان الهبوط.. هبوط قد يكون قاسيا وقد تكون نتائجه وخيمة.. وبالفعل فقد جاءت اللحظة السياسية التي يتلقى فيها من حليفه ترامب الصفعة المدوية التي أعادته إلى حجمه وجعلته يفتح عيونه على الحقائق وعن الوقائع التي أراد القفز عليها وتجاهلها..
حليفه ترامب الذي دوّخته إيران وحشرته في زاوية ليس فيها إلا الخسران والتراجع أمام خصم أذهله بقدرته على تجاهل القوة الأمريكية بل وتحدّيها لدرجة أنه عبّر صراحة عن استغرابه من سلوك المرشد الأعلى في إيران وكيف أنه لا يخاف كل ترسانة أمريكا البحرية والجوية ولا يتراجع ولا يركع أمامها.. ترامب الذي دخل حرب ايران بناء على معطيات مغلوطة من حليفه نتنياهو اصطدم بحقائق الميدان ولمس قوة ايران إن في ساحات النزال أو على طاولة المفاوضات، بات يبحث له عن مخرج.. ودخل وفريقه المفاوض في مفاوضات مضنية مع القيادة الايرانية.. مفاوضات لا تفوت نقطة ولا فاصلة وتسوق الادارة الأمريكية سوقا إلى مربع تجرّع كأس الهزيمة والتسليم بانتصار إيران.. في هذا الوقت اندفع نتنياهو بتهوره إلى لبنان ساعيا لاصطياد عصفورين بحجر واحد. الأول يتمثل في اعادة غزو لبنان واقتطاع أجزاء منه تأسيسا لمشروعه الكبير.. والثاني يتمثل في التشويش على المفاوضات الأمريكية ـ الايرانية ودفع ايران إلى ردّ الفعل نصرة لحزب الله فيعيد بذلك أمريكا إلى مربع الحرب ويحقق بذلك الأهداف الاسرائيلية بأياد أمريكية..
لكن ترامب الذي أدرك حجم الورطة التي وقع فيها بانسياقه وراء نتنياهو والذي أدرك حجم الفاتورة والخسائر الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية التي منيت بها أمريكا وباتت تهدّد ريادتها عالميا لم يعد في وارد ارتكاب نفس الخطإ مرة أخرى. فاغتنم فرصة اندفاع نتنياهو نحو تنفيذ عدوان واسع على بيروت واندفع بدوره لتفكيك الفخ الذي نصبه نتنياهو لتوريط أمريكا مجددا ولتخريب المفاوضات الأمريكية ـ الايرانية. وبذلك كانت المكالمة الصاخبة التي أجراها مع نتنياهو والتي قرّعه فيها كما لم يقرّعه من قبل.. ليصل الأمر حد وصفه بالغبي واللعين والناكر للجميل بعد أن أنقذه من السجن. ترامب ذكّر نتنياهو بأنه مكروه وبأن بلاده اسرائيل مكروهة في كل العالم وبأن عليه أن يتوقف عن لعب دور المشاغب والمشاكس.
إنها لحظة تاريخية تزيد رصيد إيران عزا وفخارا فهي التي هدّدت بقصف الكيان في حال أقدم نتنياهو على استهداف بيروت.. وهو ما كان يهدد بإعادة اشعال فتيل الحرب من جديد وهو ما دفع ترامب إلى تفجير غضبه في وجه نتنياهو ودفعه إلى التراجع.. أما العرب فإنهم بأنظمتهم وبجيوشهم وبجامعتهم غائبون، نائمون وكأن لبنان وقبله غزة وفلسطين يقعون على كوكب آخر وتقطنهم ملل أخرى لا تمت إلى العرب والعروبة والاسلام بصلة !!
عبد الحميد الرياحي