مع الشروق : صيف الأطفال ... من يملأ الفراغ؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/23
تحلّ العطلة المدرسية كلّ سنة، حاملة معها إشكالية متجدّدة تتمثّل في كيفية التصرّف في أوقات فراغ الأطفال بما يعود عليهم بالنفع والفائدة. ويجد الأولياء أنفسهم أمام حيرة حقيقية في ظلّ محدودية الفضاءات العمومية المخصّصة للترفيه والتأطير، وارتفاع كلفة البدائل التي توفّرها الفضاءات الخاصة.
فقد أصبحت الأنشطة الترفيهية والتكوينية بعيدة المنال بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأسر التونسية التي ترزح تحت أعباء المعيشة اليومية وتزايد النفقات الأساسية. ومع تراجع الدور الذي يفترض أن تضطلع به الدولة في مجال الترفيه والتأطير، أُلقي كامل العبء على كاهل الأولياء الذين يجدون صعوبة في التوفيق بين متطلبات الحياة اليومية وبين ما يفرضه البناء السليم والمتوازن لشخصية الطفل.
وفي ظلّ غياب فضاءات ومؤسسات تتكفّل بالتصرف الواعي والرشيد في أوقات الفراغ الطويلة، تتحوّل العطلة الصيفية إلى هاجس يؤرق العديد من الأسر، حتى تلك القادرة ماديا، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار النوادي والأكاديميات بمختلف اختصاصاتها.
وتتسابق هذه الفضاءات إلى فرض معاليم مرتفعة تحت عناوين جذابة ومغرية، بما يجعل بعض الأطفال يتمتعون بخدمات التأطير والترفيه على حساب فئات أخرى تُحرم منها. ويؤدي ذلك إلى تكريس التفاوت الاجتماعي وحرمان جزء من الأطفال من حقهم في التثقيف والترفيه وصقل المواهب وتنمية القدرات.
فالحق الدستوري يقتضي تحقيق الإنصاف الاجتماعي، خاصة وأن الدستور التونسي ينصّ على أن «حق الطفل على والديه وعلى الدولة». وعندما يتعذر على الوالدين توفير الظروف الملائمة لنموّ أبنائهم نموا سليما ومتوازنا، تصبح الدولة مطالبة بالتدخل بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل.
ومن هذا المنطلق، تبدو الهياكل العمومية مطالبة اليوم بالتفكير في آليات عملية لدعم الأسر التونسية ومساعدتها على الإحاطة بأبنائها، من خلال برامج مدعّمة تضمن للناشئة حقها في الترفيه وممارسة الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية، وصقل المواهب، والتخفيف من وطأة أوقات الفراغ، خاصة بالنسبة إلى غير القادرين ماديا.
غير أنّ العديد من الفضاءات العمومية تدخل في سبات طويل خلال العطلة المدرسية، تاركة المجال أمام مؤسسات تجارية تروّج للثقافة والفن والترفيه بأسعار تتجاوز القدرة الإنفاقية للكثير من الأولياء. وعندما يغيب البديل العمومي، يصبح الخيار المتاح لدى عدد من الأسر هو ترك الأطفال لساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والحواسيب، وما يرافق ذلك من مخاطر ناجمة عن الإبحار الحر في شبكة الإنترنت.
وبدل توجيه الأطفال نحو مسارات إيجابية تستثمر طاقاتهم وتساعدهم على تجاوز ما قد يعانونه من صعوبات نفسية أو اجتماعية أو تعليمية، يُتركون أحيانا لمصائر غامضة داخل شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة عندما يكون الوالدان منشغلين بالعمل أو يفتقران إلى أدوات التربية والمتابعة الضرورية. ولا يقتصر خطر الشاشات والعوالم الافتراضية المفتوحة على أطفال المدن دون غيرهم، بل يشمل أطفال الريف والمدينة على حدّ سواء، كما يطال أبناء العائلات الميسورة والمتوسطة ومحدودة الدخل. وهو خطر متشعّب قد يفتح الباب أمام الانحراف والجريمة والاستقطاب والتضليل الفكري، مما يجعل الاستشراف والتخطيط لقضاء عطلة آمنة ونافعة أمرا ضروريا لا يحتمل التأجيل.
إنّ الدولة قادرة على معالجة هذا الملف إذا ما تمّ تشريك المكتبات العمومية ودور الثقافة والمؤسسات التربوية والجمعيات والأولياء في بعث نوادٍ متنوعة الاختصاصات، تؤمّنها كفاءات ومتطوعون ضمن برامج زمنية مدروسة. فذلك كفيل بجعل العطلة المدرسية أقلّ مخاطر وأكثر فائدة، وبردم الهوة بين ما يطمح إليه الطفل ووليه من جهة، وما تفرضه ظروف الواقع من جهة أخرى، بعيدا عن منطق الاستغلال التجاري الذي غزا مختلف المجالات دون استثناء.
وحيدة المي
تحلّ العطلة المدرسية كلّ سنة، حاملة معها إشكالية متجدّدة تتمثّل في كيفية التصرّف في أوقات فراغ الأطفال بما يعود عليهم بالنفع والفائدة. ويجد الأولياء أنفسهم أمام حيرة حقيقية في ظلّ محدودية الفضاءات العمومية المخصّصة للترفيه والتأطير، وارتفاع كلفة البدائل التي توفّرها الفضاءات الخاصة.
فقد أصبحت الأنشطة الترفيهية والتكوينية بعيدة المنال بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأسر التونسية التي ترزح تحت أعباء المعيشة اليومية وتزايد النفقات الأساسية. ومع تراجع الدور الذي يفترض أن تضطلع به الدولة في مجال الترفيه والتأطير، أُلقي كامل العبء على كاهل الأولياء الذين يجدون صعوبة في التوفيق بين متطلبات الحياة اليومية وبين ما يفرضه البناء السليم والمتوازن لشخصية الطفل.
وفي ظلّ غياب فضاءات ومؤسسات تتكفّل بالتصرف الواعي والرشيد في أوقات الفراغ الطويلة، تتحوّل العطلة الصيفية إلى هاجس يؤرق العديد من الأسر، حتى تلك القادرة ماديا، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار النوادي والأكاديميات بمختلف اختصاصاتها.
وتتسابق هذه الفضاءات إلى فرض معاليم مرتفعة تحت عناوين جذابة ومغرية، بما يجعل بعض الأطفال يتمتعون بخدمات التأطير والترفيه على حساب فئات أخرى تُحرم منها. ويؤدي ذلك إلى تكريس التفاوت الاجتماعي وحرمان جزء من الأطفال من حقهم في التثقيف والترفيه وصقل المواهب وتنمية القدرات.
فالحق الدستوري يقتضي تحقيق الإنصاف الاجتماعي، خاصة وأن الدستور التونسي ينصّ على أن «حق الطفل على والديه وعلى الدولة». وعندما يتعذر على الوالدين توفير الظروف الملائمة لنموّ أبنائهم نموا سليما ومتوازنا، تصبح الدولة مطالبة بالتدخل بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل.
ومن هذا المنطلق، تبدو الهياكل العمومية مطالبة اليوم بالتفكير في آليات عملية لدعم الأسر التونسية ومساعدتها على الإحاطة بأبنائها، من خلال برامج مدعّمة تضمن للناشئة حقها في الترفيه وممارسة الأنشطة الثقافية والرياضية والفنية، وصقل المواهب، والتخفيف من وطأة أوقات الفراغ، خاصة بالنسبة إلى غير القادرين ماديا.
غير أنّ العديد من الفضاءات العمومية تدخل في سبات طويل خلال العطلة المدرسية، تاركة المجال أمام مؤسسات تجارية تروّج للثقافة والفن والترفيه بأسعار تتجاوز القدرة الإنفاقية للكثير من الأولياء. وعندما يغيب البديل العمومي، يصبح الخيار المتاح لدى عدد من الأسر هو ترك الأطفال لساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والحواسيب، وما يرافق ذلك من مخاطر ناجمة عن الإبحار الحر في شبكة الإنترنت.
وبدل توجيه الأطفال نحو مسارات إيجابية تستثمر طاقاتهم وتساعدهم على تجاوز ما قد يعانونه من صعوبات نفسية أو اجتماعية أو تعليمية، يُتركون أحيانا لمصائر غامضة داخل شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة عندما يكون الوالدان منشغلين بالعمل أو يفتقران إلى أدوات التربية والمتابعة الضرورية. ولا يقتصر خطر الشاشات والعوالم الافتراضية المفتوحة على أطفال المدن دون غيرهم، بل يشمل أطفال الريف والمدينة على حدّ سواء، كما يطال أبناء العائلات الميسورة والمتوسطة ومحدودة الدخل. وهو خطر متشعّب قد يفتح الباب أمام الانحراف والجريمة والاستقطاب والتضليل الفكري، مما يجعل الاستشراف والتخطيط لقضاء عطلة آمنة ونافعة أمرا ضروريا لا يحتمل التأجيل.
إنّ الدولة قادرة على معالجة هذا الملف إذا ما تمّ تشريك المكتبات العمومية ودور الثقافة والمؤسسات التربوية والجمعيات والأولياء في بعث نوادٍ متنوعة الاختصاصات، تؤمّنها كفاءات ومتطوعون ضمن برامج زمنية مدروسة. فذلك كفيل بجعل العطلة المدرسية أقلّ مخاطر وأكثر فائدة، وبردم الهوة بين ما يطمح إليه الطفل ووليه من جهة، وما تفرضه ظروف الواقع من جهة أخرى، بعيدا عن منطق الاستغلال التجاري الذي غزا مختلف المجالات دون استثناء.
وحيدة المي