مع الشروق : سيناريو فنزويلا بإيران... الوهم الأمريكي

مع الشروق : سيناريو فنزويلا بإيران... الوهم الأمريكي

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/14

يُروَّج في بعض الدوائر السياسية والإعلامية لفرضية مفادها أن واشنطن قادرة على تكرار «سيناريو فنزويلا» في إيران، عبر تشديد الخناق الاقتصادي وفرض حصار بحري خانق يدفع النظام إلى الانهيار أو الاستسلام.
غير أن هذه الفرضية، رغم جاذبيتها النظرية، تصطدم بواقع جيوسياسي وأيديولوجي وعسكري مختلف جذريًا، يجعل من تطبيق هذا السيناريو أقرب إلى الوهم منه إلى خطة قابلة للتحقق على أرض الواقع المعقد.
في هذا السياق، برزت سياسات دونالد ترامب التي سعت إلى تصعيد الضغط إلى أقصى درجاته، بما في ذلك فرض حصار على الموانئ الإيرانية والسيطرة على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة النفط العالمية.
بالنسبة لترامب الهدف المعلن هو إخضاع طهران وإجبارها على القبول بشروط أمريكية قاسية، تُفهم في جوهرها كصيغة من صيغ الاستسلام الكامل، لكن السؤال الحقيقي هو هل يمكن لإيران أن تنهار كما انهارت واستسلمت فنزويلا؟
أول الفوارق الجوهرية يكمن في طبيعة النظام السياسي، ففي حين عانت فنزويلا من انقسامات حادة داخل مؤسساتها، فإن النظام الإيراني يتميز بطابع عقائدي متماسك، يستند إلى أيديولوجيا دينية-سياسية عميقة الجذور.
 هذا الطابع المعقد يمنح النظام قدرة على الصمود، ليس فقط من خلال أدوات السيطرة والتحكم، بل عبر شبكة من الولاءات المؤمنة بشرعيته، فالمسألة في إيران لا تتعلق فقط بحكومة، بل بمشروع سياسي-عقائدي (الثورة الاسلامية) يرى نفسه في مواجهة دائمة مع «الهيمنة الغربية».
ثانيًا، تتميز إيران بتعدد مراكز القوى داخل الدولة، وهو عنصر يُنظر إليه أحيانًا كعامل ضعف، لكنه في حالات الحصار يتحوّل إلى مصدر قوة، فوجود مؤسسات مثل الحرس الثوري، والجيش النظامي، وقوات الباسيج، يخلق نوعًا من التوازن الداخلي الذي يصعب اختراقه.
وهذه البنية المعقدة تقلل من احتمالات الانشقاق أو الخيانة، التي لعبت دورًا مهمًا في الحالة الفنزويلية، حيث شهدت المؤسسة العسكرية تململًا واضحًا تحت وطأة الضغوط  السياسية والاقتصادية والعسكرية الأمريكية.
ثالثًا، هناك مسألة الولاء الشعبي النسبي، صحيح أن إيران تعاني من أزمات اقتصادية حادة واحتجاجات متكررة، لكن ذلك لا يعني انهيار الحاضنة الاجتماعية للنظام، ففي لحظات التهديد الخارجي، غالبًا ما تتماسك الجبهة الداخلية، ويُعاد إنتاج الخطاب الوطني المقاوم، و هذا ما يجعل أي رهان أمريكي على «ثورة داخلية سريعة» رهانًا محفوفًا بالمخاطر(أكثر من 19 مليون متطوع حتى الآن ينضمون إلى حملة «الروح فداء لإيران»).
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن فرض حصار على مضيق هرمز لا يعني فقط خنق إيران، بل تهديد الاقتصاد العالمي بأسره، فالمضيق يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، وأي اضطراب فيه سيؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ما يضر بحلفاء واشنطن قبل خصومها، من هنا يبدو أن خيار الحصار الشامل يعكس حالة من اليأس الاستراتيجي أكثر مما يعكس خطة مدروسة.
بل يمكن القول إن هذا التوجه يكشف عن فشل الخيارات العسكرية المباشرة في تحقيق أهدافها، فبعد أن عجزت واشنطن عن فرض إرادتها بالقوة، انتقلت إلى أدوات الضغط القصوى، حتى وإن كانت ذات كلفة عالمية.
في هذا الإطار، يبدو أن إدارة ترامب مستعدة «لمعاقبة العالم» اقتصاديًا في سبيل كسر إيران، وهو رهان قد ينقلب عليها إذا ما أدى إلى توترات دولية أوسع ، في ظل رفض أغلب حلفاء واشنطن لهذه الخطوة او على الاقل المشاركة فيها.
في المحصلة، فإن مقارنة إيران بفنزويلا تتجاهل فروقًا بنيوية عميقة، سواء على مستوى النظام السياسي أو البنية الأمنية أو الموقع الجغرافي، لذلك فإن سيناريو الانهيار السريع تحت ضغط الحصار يبدو غير واقعي، بل إن مثل هذه السياسات قد تدفع إيران إلى مزيد من التشدد، وتفتح الباب أمام تصعيد إقليمي ودولي لا يمكن التحكم في نتائجه.
بدرالدّين السّيّاري
 

تعليقات الفيسبوك