مع الشروق : حين تنهزم «الهاسبارا» في عقول الغرب
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/21
على امتداد عقود، لم تعتمد إسرائيل فقط على التفوق العسكري أو التحالفات السياسية الغربية لترسيخ حضورها، بل استثمرت أيضا في معركة أكثر عمقا هي معركة الرواية.
ما يُعرف بـ»الهاسبارا»، أي المنظومة الدعائية والإعلامية الصهيونية المضللة الهادفة إلى تبرير السياسات الإسرائيلية وتوجيه الرأي العام الدولي، شكّل لعقود أحد أهم أسلحة النفوذ الناعم، غير أن ما كان يبدو قبل سنوات خطابا قادرا على صناعة الإجماع داخل المجتمعات الغربية، يواجه اليوم تصدعات غير مسبوقة.
لا شكّ أننا اليوم إزاء تراجع قدرة إسرائيل على احتكار السردية داخل الغرب، في ظلّ وعي غربي بدأ يتحرّر تدريجيا من خطاب ظل لعقود يصور إسرائيل باعتبارها «ضحية دائمة» مهما كانت الوقائع على الأرض.
تطورات السنوات الأخيرة، خصوصا منذ الحرب على غزة، وما تلاها من حرب على إيران وتبعات ذلك اقتصاديا وطاقيّا واستراتيجيا على العالم، تشير إلى تحوّلات يصعب تجاهلها، فمشاهد الدمار، وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، وانتشار الصور والمواد المصورة بشكل فوري عبر المنصات الرقمية، أحدثت شرخا في قدرة الرواية التقليدية على الهيمنة، فقد تغيّرت أدوات تشكيل الرأي العام، إذ لم تعد المؤسسات الإعلامية الكبرى وحدها تحدّد اتجاه النقاش، بل أصبحت الهواتف المحمولة ومنصات التواصل جزءا من صناعة الإدراك العالمي.
ضمن هذا السياق، برزت مؤشرات سياسية وقانونية غير مسبوقة، من بينها التقارير المتعلقة بتوجه المحكمة الجنائية الدولية لاستصدار مذكرات اعتقال ضد شخصيات إسرائيلية، من بينها وزير المالية الإسرائيلي الفاشي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، على خلفية تورّطهم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في سيناريو كان حتى سنوات قليلة مضت يبدو مستبعدا سياسيا.
من الثابت أن الأهمية هنا لا تكمن فقط في الجانب القانوني، بل في الدلالة الرمزية، إذ أن انتقال الشخصيات الإسرائيلية من موقع المحصّنة سياسيا داخل الغرب إلى موقع الخاضعة للتدقيق والمساءلة الدولية، يعكس في جوهره تغيرا أوسع في المزاج العام الغربي.
الأمر لا يقتصر على المؤسسات القانونية فحسب، ففي الفضاء الثقافي أيضا ظهرت انقسامات واضحة، من ذلك مسابقة يوروفيجن، التي لطالما قُدمت باعتبارها حدثا فنيا منفصلا عن السياسة، تحولت بدورها إلى ساحة جدل بشأن مشاركة إسرائيل، حيث شهدت الدورة الأخيرة احتجاجات، وانتقادات من وسائل إعلام أوروبية على مشاركة الكيان الغاصب فيها، بل إن الفرحة الأوروبية كانت عارمة بهزيمة المشارك الإسرائيلي وخروجه من المسابقة.
رغم ما يحظى به الكيان المحتل من دعم لدى بعض الحكومات الغربية، إلا أن ذلك لا ينفي مطلقا سقوط الرواية المضللة الصهيونية في ظل اتساع مساحة النقد، وهو ما كان من المحرمات سابق، فضلا عن ظهور أجيال جديدة أقل ارتباطا بالسرديات التقليدية وأكثر اعتمادا على المعلومات المباشرة والمنصات الرقمية.
ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن أدوات الاتصال الحديثة نفسها، التي استفادت منها الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية طويلا، أصبحت أيضا أحد أسباب تراجع فاعلية الخطاب التقليدي، ففي عصر البث المباشر والصورة الفورية، يصبح الدفاع عن الروايات الرسمية أكثر صعوبة حين تتراكم الشهادات البصرية القادمة من مناطق النزاع.
ما يحدث اليوم يشير إلى نهاية مرحلة كانت فيها رواية واحدة قادرة على الهيمنة دون مساءلة واسعة، فالعالم الغربي نفسه يتغير، ومفاهيم العدالة وحقوق الإنسان باتت تخضع لاختبارات جديدة أمام الرأي العام، الذي أصبح أكثر استعدادا لطرح الأسئلة التي كانت مؤجلة.
وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تسقط الروايات دفعة واحدة، فهي تتآكل ببطء، حين تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وربما تكون العلامة الأبرز في اللحظة الراهنة أن معركة السرد لم تعد محسومة كما كانت، وأن احتكار الوعي لم يعد مضمونا لأي طرف، مهما امتلك من أدوات النفوذ.
ذلك أن القوة لا تُقاس فقط بما تملكه الدول من سلاح وتحالفات، بل أيضا بقدرتها على إقناع العالم بصحّة روايتها، وحين تبدأ الرواية في فقدان قدرتها على الإقناع، تبدأ مرحلة جديدة عنوانها السقوط المدوّي.
هاشم بوعزيز
على امتداد عقود، لم تعتمد إسرائيل فقط على التفوق العسكري أو التحالفات السياسية الغربية لترسيخ حضورها، بل استثمرت أيضا في معركة أكثر عمقا هي معركة الرواية.
ما يُعرف بـ»الهاسبارا»، أي المنظومة الدعائية والإعلامية الصهيونية المضللة الهادفة إلى تبرير السياسات الإسرائيلية وتوجيه الرأي العام الدولي، شكّل لعقود أحد أهم أسلحة النفوذ الناعم، غير أن ما كان يبدو قبل سنوات خطابا قادرا على صناعة الإجماع داخل المجتمعات الغربية، يواجه اليوم تصدعات غير مسبوقة.
لا شكّ أننا اليوم إزاء تراجع قدرة إسرائيل على احتكار السردية داخل الغرب، في ظلّ وعي غربي بدأ يتحرّر تدريجيا من خطاب ظل لعقود يصور إسرائيل باعتبارها «ضحية دائمة» مهما كانت الوقائع على الأرض.
تطورات السنوات الأخيرة، خصوصا منذ الحرب على غزة، وما تلاها من حرب على إيران وتبعات ذلك اقتصاديا وطاقيّا واستراتيجيا على العالم، تشير إلى تحوّلات يصعب تجاهلها، فمشاهد الدمار، وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، وانتشار الصور والمواد المصورة بشكل فوري عبر المنصات الرقمية، أحدثت شرخا في قدرة الرواية التقليدية على الهيمنة، فقد تغيّرت أدوات تشكيل الرأي العام، إذ لم تعد المؤسسات الإعلامية الكبرى وحدها تحدّد اتجاه النقاش، بل أصبحت الهواتف المحمولة ومنصات التواصل جزءا من صناعة الإدراك العالمي.
ضمن هذا السياق، برزت مؤشرات سياسية وقانونية غير مسبوقة، من بينها التقارير المتعلقة بتوجه المحكمة الجنائية الدولية لاستصدار مذكرات اعتقال ضد شخصيات إسرائيلية، من بينها وزير المالية الإسرائيلي الفاشي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، على خلفية تورّطهم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في سيناريو كان حتى سنوات قليلة مضت يبدو مستبعدا سياسيا.
من الثابت أن الأهمية هنا لا تكمن فقط في الجانب القانوني، بل في الدلالة الرمزية، إذ أن انتقال الشخصيات الإسرائيلية من موقع المحصّنة سياسيا داخل الغرب إلى موقع الخاضعة للتدقيق والمساءلة الدولية، يعكس في جوهره تغيرا أوسع في المزاج العام الغربي.
الأمر لا يقتصر على المؤسسات القانونية فحسب، ففي الفضاء الثقافي أيضا ظهرت انقسامات واضحة، من ذلك مسابقة يوروفيجن، التي لطالما قُدمت باعتبارها حدثا فنيا منفصلا عن السياسة، تحولت بدورها إلى ساحة جدل بشأن مشاركة إسرائيل، حيث شهدت الدورة الأخيرة احتجاجات، وانتقادات من وسائل إعلام أوروبية على مشاركة الكيان الغاصب فيها، بل إن الفرحة الأوروبية كانت عارمة بهزيمة المشارك الإسرائيلي وخروجه من المسابقة.
رغم ما يحظى به الكيان المحتل من دعم لدى بعض الحكومات الغربية، إلا أن ذلك لا ينفي مطلقا سقوط الرواية المضللة الصهيونية في ظل اتساع مساحة النقد، وهو ما كان من المحرمات سابق، فضلا عن ظهور أجيال جديدة أقل ارتباطا بالسرديات التقليدية وأكثر اعتمادا على المعلومات المباشرة والمنصات الرقمية.
ربما تكمن المفارقة الكبرى في أن أدوات الاتصال الحديثة نفسها، التي استفادت منها الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية طويلا، أصبحت أيضا أحد أسباب تراجع فاعلية الخطاب التقليدي، ففي عصر البث المباشر والصورة الفورية، يصبح الدفاع عن الروايات الرسمية أكثر صعوبة حين تتراكم الشهادات البصرية القادمة من مناطق النزاع.
ما يحدث اليوم يشير إلى نهاية مرحلة كانت فيها رواية واحدة قادرة على الهيمنة دون مساءلة واسعة، فالعالم الغربي نفسه يتغير، ومفاهيم العدالة وحقوق الإنسان باتت تخضع لاختبارات جديدة أمام الرأي العام، الذي أصبح أكثر استعدادا لطرح الأسئلة التي كانت مؤجلة.
وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تسقط الروايات دفعة واحدة، فهي تتآكل ببطء، حين تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وربما تكون العلامة الأبرز في اللحظة الراهنة أن معركة السرد لم تعد محسومة كما كانت، وأن احتكار الوعي لم يعد مضمونا لأي طرف، مهما امتلك من أدوات النفوذ.
ذلك أن القوة لا تُقاس فقط بما تملكه الدول من سلاح وتحالفات، بل أيضا بقدرتها على إقناع العالم بصحّة روايتها، وحين تبدأ الرواية في فقدان قدرتها على الإقناع، تبدأ مرحلة جديدة عنوانها السقوط المدوّي.
هاشم بوعزيز