مع الشروق : حين تترك العواصم ترامب وحيدا

مع الشروق : حين تترك العواصم ترامب وحيدا

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/03/19

لم يكن أشد المتشائمين في واشنطن يتخيل أن تؤول طموحات "الحرب الكبرى" لإسقاط النظام في طهران، بعد أكثر من أسبوعين، إلى مجرد استغاثة دبلوماسية لتأمين عبور ناقلة نفط في مضيق هرمز، فمن "تغيير الخرائط" إلى "تأمين الممرات"، هكذا لخصت الأسابيع الأخيرة حجم المأزق الذي يواجه إدارة ترامب وحليفها الإسرائيلي، وهو مأزق لم يكشف فقط عن صلابة الصمود الإيراني، بل عرّى تصدّعا تاريخيّا في جدار حلف شمال الأطلسي، الذي يبدو أن أعضاءه قرروا، ولأول مرة بشكل جماعي صامت، عدم القفز في مغامرة مجهولة العواقب.
حين أطلق البيت الأبيض نداءه للحلفاء بضرورة تشكيل قوة بحرية مشتركة لضمان حرية الملاحة، كان يتوقع هبّة أطلسية تليق بـ "القوة العظمى"، لكن الرد جاء باردا وصادما، اعتذارات تقنية، وصمت مطبق من عواصم كبرى، وتوجس من الانجرار خلف استراتيجية حافة الهاوية التي ينتهجها ترامب بتنسيق عضوي مع تل أبيب.
هذا الامتناع ليس مجرد تقاعس عسكري، بل هو إعلان سياسي بليغ عن انتهاء عصر "التفويض المطلق" لواشنطن، فحلفاء الناتو، الذين يراقبون كيف تحول المضيق إلى فخ استراتيجي تبتلع فيه إيران القدرات البحرية الغربية بالنقاط، أدركوا أن الدخول في هذه المواجهة يعني دفع فاتورة اقتصادية وأمنية لا قبل لهم بها، خاصة وأن المحرك لهذه الحرب هو أجندة "ترامبية-صهيونية" لا تخدم بالضرورة المصالح الأوروبية.
لقد نجحت طهران في تحويل الجغرافيا إلى سلاح سياسي بامتياز، فبينما كان ترامب يراهن على "القوة الغاشمة" لشل الداخل الإيراني، كانت القوات الإيرانية تحكم قبضتها على الاقتصاد العالمي، فضلا عن أن الضعف في الاستجابة العالمية لنداء الاستغاثة الأمريكي يعكس حقيقة ميدانية مريرة مفادها أن العالم لا يريد مقامرة بممرات الطاقة من أجل حرب يراها الكثيرون "عبثية" وغير محسوبة النتائج.
من الثابت أن الرهان الإسرائيلي على جر الولايات المتحدة إلى صراع مفتوح يغير وجه المنطقة، اصطدم بواقع أن القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة أصبحت أهدافا، وأن السيطرة على هرمز لا تتم عبر الغارات الجوية، بل تتطلب وجودا بحريا رفض حلفاء الناتو تأمينه، تاركين واشنطن وتل أبيب في مواجهة مباشرة مع إيران.
لا شكّ أن امتناع حلفاء ترامب عن تلبية الدعوة هو سابقة تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية، فقد سئمت العواصم الأوروبية من سياسة "الأمر الواقع" ومن الابتزاز السياسي الذي تمارسه الإدارة الحالية، وهذا الانشقاق داخل الناتو يخدم بطبيعة الحال المحور الإيراني الروسي الصيني، الذي يراقب ببرود كيف تتآكل هيبة "القيادة العالمية" عند مداخل الخليج.
فالحرب التي أُريد لها أن تكون استعراضاً للقوة الكونية، تحولت إلى "تورط" يستنزف الشرعية الدولية لواشنطن، واليوم يجد ترامب نفسه أمام خيارين أحلاهما مر، إما الاستمرار في تصعيد منفرد قد ينتهي بكارثة اقتصادية عالمية بتواصل إغلاق المضيق ً، أو البحث عن مخرج ديبلوماسي يحفظ ماء وجهه أمام خصوم لم يرموا بعد بكامل أوراقهم.
إن ما يحدث في مضيق هرمز اليوم هو الدرس الأقسى في الواقعية السياسية، فالأرقام التي تعكس عزلة واشنطن داخل حلفها هي ذاتها الأرقام التي تشي بنهاية عصر القطب الواحد الذي يفرض حروبه على العالم، والعالم يراقب اليوم كيف يمكن لـ "جغرافيا صغيرة" مُدارة بدهاء استراتيجي أن تصمد صمودا بيّنا أمام أقوى الآلات العسكرية، وتحدث شرخا واضحا في صفوف الحلفاء ستكون له استتباعاته الجيوسياسية في المستقبل.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك