مع الشروق : حيرة أمريكية...لماذا لا تستسلم إيران؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/02/24
كشفت تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف الأخيرة عن حيرة وصدمة واضحة لدى الإدارة الأمريكية حول صمود إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية الشديدة، خاصة في ظل التحشيد العسكري البحري والجوي الكبير الذي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة.
ووفقًا لوصف ويتكوف، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتساءل صراحة عن سبب عدم استسلام إيران حتى الآن، على الرغم من أن واشنطن مارست كل أدواتها للضغط، من التهديدات العسكرية إلى العقوبات الاقتصادية.
هذا التساؤل الأمريكي يبدو أنه يعكس عمق الفهم الخاطئ الذي ربما ارتكبه ترامب في حساباته الاستراتيجية تجاه إيران.
فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، أظهرت إيران قدرة مذهلة على الصمود أمام الضغوط الأمريكية والأزمات الاقتصادية، مستندة إلى شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية، وفهم دقيق للعبة السياسية الدولية، وقدرة على المناورة في أزمات متعددة.
ويبدو أيضا أن ترامب، الذي اعتاد أن يُخشى ويُستجاب له بسرعة في النزاعات الدولية، قد استهان بالقوة الذهنية والسياسية لطهران، واعتقد أن التحشيد العسكري المكثف، الذي يوازي بل ويتجاوز التحشيد الذي سبق غزو العراق عام 2003، سيكون كافياً لإرغام إيران على الرضوخ.
الرد الإيراني عبر وزير الخارجية عباس عراقتشي على منصة "إكس"، والذي جاء مقتضبًا وبارعًا في الوقت نفسه: "تتساءلون لماذا لا نستسلم؟ لأننا إيرانيون"، يوضح فهم طهران العميق لطبيعة المواجهة مع واشنطن.
فالإيرانيون معروفون تاريخيًا بذكائهم السياسي ومهارتهم الدبلوماسية والتجارية، حيث جمعوا بين الصبر الطويل والدهاء الاستراتيجي، مما جعلهم قادرين على الصمود أمام الضغوط الخارجية المتنوعة.
منذ الثورة الإسلامية، اعتادت إيران التعامل مع العقوبات الأمريكية، وتكييف اقتصادها ومواردها بما يتيح لها تقليل الاعتماد على الخارج، وتطوير صناعات محلية، والحفاظ على وحدة سياسية نسبية داخليًا في مواجهة التحديات.
أما من الناحية العسكرية، فإن التحشيد الأمريكي الهائل لم يخلُ من القيود والتحديات اللوجستية، فالبحرية الأمريكية قد تكون قوية، لكنها تعمل في بيئة معقدة محليًا وإقليميًا، حيث تمتلك إيران قوة بحرية صغيرة لكنها فعّالة، مع خبرة طويلة في استراتيجيات الردع غير التقليدية والهجمات المفاجئة، وهذا الأمر يجعل من أي تهديد مباشر مغامرة مكلفة، بل ومحرجة سياسياً لأمريكا.
كما أن التهديدات الاقتصادية لم تحقق النتائج المتوقعة على مستوى الداخل الإيراني، فالاقتصاد الإيراني، رغم الضغوط والعقوبات، استطاع الحفاظ على توازن نسبي من خلال التكيف مع الأسواق البديلة، والتحكم في سلاسل الإمداد الداخلية، وتعزيز الاستثمارات المحلية.
هذه المرونة الاقتصادية تمنح القيادة الإيرانية شعورًا بالثقة في مواجهة التهديدات الخارجية، وتجعل أي حسابات أمريكية للاستسلام السريع تبدو مبالغًا فيها.
من زاوية تحليلية، يمكن القول إن ترامب ربما بالغ في تقدير تأثير شخصيته وسمعته على الساحة الدولية، فمنذ البداية اعتمد على استراتيجية التخويف والضغط القصوى، معتقدًا أن خصومه سيتراجعون أمام هذه القوة المعلنة.
لكن التجربة مع إيران أظهرت أن القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها لا تكفي، وأن فهم الخصم التاريخي والثقافي والسياسي أساسي قبل الإقدام على أي خطوة تهدد مصالحه الوطنية.
في النهاية، يبدو أن الولايات المتحدة، عبر تصريحات ويتكوف، ما زالت تحاول استيعاب درس مهم: إيران ليست خصمًا يمكن إرغامه بسهولة، وهي دولة تمتلك صمودًا استراتيجيًا طويل الأمد، قائم على مزيج من الذكاء السياسي والدهاء التاريخي والقدرة على التحمل أمام الأزمات.
وهذا يجعل أي محاولة للضغط عليها مجرد اختبار لصبرها، وليس عاملًا حاسمًا لتغيير سياساتها، كما توضح تصريحات المسؤولين الإيرانيين.
إذن، صمود إيران أمام التحشيد والتهديدات الأمريكية ليس صدفة، بل هو نتاج تاريخ طويل من القدرة على الصمود والمناورة، وهو درس مهم لكل من يعتقد أن القوة المادية وحدها يمكن أن تفرض الرضا على خصم ذكي وذو خبرة عميقة في السياسة الدولية.
بدرالدّين السّيّاري
كشفت تصريحات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف الأخيرة عن حيرة وصدمة واضحة لدى الإدارة الأمريكية حول صمود إيران في مواجهة الضغوط الأمريكية الشديدة، خاصة في ظل التحشيد العسكري البحري والجوي الكبير الذي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة.
ووفقًا لوصف ويتكوف، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتساءل صراحة عن سبب عدم استسلام إيران حتى الآن، على الرغم من أن واشنطن مارست كل أدواتها للضغط، من التهديدات العسكرية إلى العقوبات الاقتصادية.
هذا التساؤل الأمريكي يبدو أنه يعكس عمق الفهم الخاطئ الذي ربما ارتكبه ترامب في حساباته الاستراتيجية تجاه إيران.
فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، أظهرت إيران قدرة مذهلة على الصمود أمام الضغوط الأمريكية والأزمات الاقتصادية، مستندة إلى شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية، وفهم دقيق للعبة السياسية الدولية، وقدرة على المناورة في أزمات متعددة.
ويبدو أيضا أن ترامب، الذي اعتاد أن يُخشى ويُستجاب له بسرعة في النزاعات الدولية، قد استهان بالقوة الذهنية والسياسية لطهران، واعتقد أن التحشيد العسكري المكثف، الذي يوازي بل ويتجاوز التحشيد الذي سبق غزو العراق عام 2003، سيكون كافياً لإرغام إيران على الرضوخ.
الرد الإيراني عبر وزير الخارجية عباس عراقتشي على منصة "إكس"، والذي جاء مقتضبًا وبارعًا في الوقت نفسه: "تتساءلون لماذا لا نستسلم؟ لأننا إيرانيون"، يوضح فهم طهران العميق لطبيعة المواجهة مع واشنطن.
فالإيرانيون معروفون تاريخيًا بذكائهم السياسي ومهارتهم الدبلوماسية والتجارية، حيث جمعوا بين الصبر الطويل والدهاء الاستراتيجي، مما جعلهم قادرين على الصمود أمام الضغوط الخارجية المتنوعة.
منذ الثورة الإسلامية، اعتادت إيران التعامل مع العقوبات الأمريكية، وتكييف اقتصادها ومواردها بما يتيح لها تقليل الاعتماد على الخارج، وتطوير صناعات محلية، والحفاظ على وحدة سياسية نسبية داخليًا في مواجهة التحديات.
أما من الناحية العسكرية، فإن التحشيد الأمريكي الهائل لم يخلُ من القيود والتحديات اللوجستية، فالبحرية الأمريكية قد تكون قوية، لكنها تعمل في بيئة معقدة محليًا وإقليميًا، حيث تمتلك إيران قوة بحرية صغيرة لكنها فعّالة، مع خبرة طويلة في استراتيجيات الردع غير التقليدية والهجمات المفاجئة، وهذا الأمر يجعل من أي تهديد مباشر مغامرة مكلفة، بل ومحرجة سياسياً لأمريكا.
كما أن التهديدات الاقتصادية لم تحقق النتائج المتوقعة على مستوى الداخل الإيراني، فالاقتصاد الإيراني، رغم الضغوط والعقوبات، استطاع الحفاظ على توازن نسبي من خلال التكيف مع الأسواق البديلة، والتحكم في سلاسل الإمداد الداخلية، وتعزيز الاستثمارات المحلية.
هذه المرونة الاقتصادية تمنح القيادة الإيرانية شعورًا بالثقة في مواجهة التهديدات الخارجية، وتجعل أي حسابات أمريكية للاستسلام السريع تبدو مبالغًا فيها.
من زاوية تحليلية، يمكن القول إن ترامب ربما بالغ في تقدير تأثير شخصيته وسمعته على الساحة الدولية، فمنذ البداية اعتمد على استراتيجية التخويف والضغط القصوى، معتقدًا أن خصومه سيتراجعون أمام هذه القوة المعلنة.
لكن التجربة مع إيران أظهرت أن القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها لا تكفي، وأن فهم الخصم التاريخي والثقافي والسياسي أساسي قبل الإقدام على أي خطوة تهدد مصالحه الوطنية.
في النهاية، يبدو أن الولايات المتحدة، عبر تصريحات ويتكوف، ما زالت تحاول استيعاب درس مهم: إيران ليست خصمًا يمكن إرغامه بسهولة، وهي دولة تمتلك صمودًا استراتيجيًا طويل الأمد، قائم على مزيج من الذكاء السياسي والدهاء التاريخي والقدرة على التحمل أمام الأزمات.
وهذا يجعل أي محاولة للضغط عليها مجرد اختبار لصبرها، وليس عاملًا حاسمًا لتغيير سياساتها، كما توضح تصريحات المسؤولين الإيرانيين.
إذن، صمود إيران أمام التحشيد والتهديدات الأمريكية ليس صدفة، بل هو نتاج تاريخ طويل من القدرة على الصمود والمناورة، وهو درس مهم لكل من يعتقد أن القوة المادية وحدها يمكن أن تفرض الرضا على خصم ذكي وذو خبرة عميقة في السياسة الدولية.
بدرالدّين السّيّاري