مع الشروق : ترامب يتراجع وإيران تصعّد
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/18
دخلت الحرب العدوانية على إيران شهرها السادس، لكن المشهد الذي كان يتصوره دونالد ترامب في بدايتها يبدو اليوم بعيدا عن الواقع، فالرئيس الأمريكي الذي دخل المواجهة وهو يراهن على إخضاع إيران سريعا، وجد نفسه أمام حرب طويلة ومعقدة، تحولت فيها قائمة الأهداف الأمريكية الطموحة إلى عبء سياسي وعسكري، فيما تبحث واشنطن عن مخرج يحفظ لها ما تبقى من ماء الوجه.
في بداية الحرب، لم تكن واشنطن تتحدث فقط عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل طرحت أهدافا أكبر بكثير، من الاستسلام الكامل لطهران وتغيير النظام، إلى تفكيك قدراتها وقطع نفوذها الإقليمي وإنهاء دعمها لحلفائها.
وكان الرهان واضحا، استخدام التفوق العسكري الأمريكي لإجبار إيران على الانحناء سريعا، وربما كان ترامب يعتقد أن طهران ستكون نزهة عسكرية وسياسية مشابهة لما تصوره في تجارب سابقة مثل فنزويلا.
لكن الحسابات اصطدمت بالواقع الإيراني، فمع مرور الأشهر بدأت الأهداف تتقلص تدريجيا، وتغيّر الخطاب الأمريكي من الحديث عن تحقيق انتصار شامل إلى البحث عن نتائج محدودة يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازا.
ولعل أكثر المؤشرات دلالة على ذلك ما كشفه نائب الرئيس جي دي فانس حين اختصر أهداف الحرب في نقطتين: ضمان استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في صياغة الخطاب، بل يعكس مأزقا سياسيا حقيقيا، فواشنطن التي تحدثت عن تركيع إيران وإجبارها على الاستسلام، باتت تبحث عن صيغة لإنهاء الحرب تضمن على الأقل استمرار تدفق الطاقة، بما يسمح لترامب بالخروج من المواجهة دون إعلان فشل واضح.
وبعبارة أخرى، كلما طال أمد الحرب، تقلصت الطموحات الأمريكية واتسعت الحاجة إلى تسوية تحفظ للرئيس الأمريكي صورة المنتصر، حتى لو كانت النتائج الفعلية أقل بكثير من الأهداف التي أعلنها في البداية.
لقد أخطأ ترامب، على ما يبدو، في قراءة طبيعة الخصم، وتعامل مع إيران كما لو أنها دولة يمكن إخضاعها بضربة قاسية أو حملة عسكرية خاطفة، متجاهلا أن طهران تعيش منذ أكثر من أربعة عقود تحت العقوبات والحصار والضغوط والتهديدات. وخلال هذه العقود، طورت إيران قدرة لافتة على امتصاص الصدمات والحفاظ على قدراتها الأساسية، وتحويل عامل الزمن إلى سلاح سياسي واستراتيجي.
وهنا تكمن المفارقة الأبرز في الحرب، فالمواجهة التي أرادها ترامب اختبارا لقوة الولايات المتحدة تحولت تدريجيا إلى اختبار لقدرة إيران على الصمود، وكلما طال أمدها، ارتفعت كلفة تحقيق الأهداف الأمريكية، وأصبحت مهمة تقديم الحرب للرأي العام الأمريكي باعتبارها انتصاراً حاسماً أكثر صعوبة.
في المقابل، تبدو طهران أكثر استعدادا لتصعيد المواجهة، خصوصا مع الحديث الإيراني عن الانتقال من السياسة الدفاعية إلى الهجومية بالكامل، وهذه الرسالة تعني أن إيران لا تريد أن تنتهي الحرب وهي في موقع الطرف الذي ينتظر شروط المنتصر، بل تريد جعل استمرار المواجهة مكلفا بما يكفي لدفع واشنطن إلى البحث عن تسوية.
من هنا يبدو عنوان المرحلة واضحا، ترامب يتراجع وإيران تصعّد، فالرئيس الأمريكي الذي دخل الحرب وهو يعتقد أن بإمكانه فرض شروطه على طهران، يجد نفسه مضطرا إلى تقليص تلك الشروط واحدا تلو الآخر، بينما تسعى إيران، بسياسة الصبر الاستراتيجي والصمود، إلى تحويل الحرب من معركة لإخضاعها إلى معركة لإثبات قدرتها على إفشال أهداف خصمها.
وقد يكون أكبر انتصار إيراني، في نهاية المطاف، ليس تحقيق كل أهدافها، وإنما منع ترامب من تحقيق أهدافه الكبرى، ففي الحروب لا يقاس الانتصار دائما بما تحصل عليه، بل أحيانا بما تنجح في منع خصمك من الحصول عليه.
بدرالدّين السّيّاري
دخلت الحرب العدوانية على إيران شهرها السادس، لكن المشهد الذي كان يتصوره دونالد ترامب في بدايتها يبدو اليوم بعيدا عن الواقع، فالرئيس الأمريكي الذي دخل المواجهة وهو يراهن على إخضاع إيران سريعا، وجد نفسه أمام حرب طويلة ومعقدة، تحولت فيها قائمة الأهداف الأمريكية الطموحة إلى عبء سياسي وعسكري، فيما تبحث واشنطن عن مخرج يحفظ لها ما تبقى من ماء الوجه.
في بداية الحرب، لم تكن واشنطن تتحدث فقط عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بل طرحت أهدافا أكبر بكثير، من الاستسلام الكامل لطهران وتغيير النظام، إلى تفكيك قدراتها وقطع نفوذها الإقليمي وإنهاء دعمها لحلفائها.
وكان الرهان واضحا، استخدام التفوق العسكري الأمريكي لإجبار إيران على الانحناء سريعا، وربما كان ترامب يعتقد أن طهران ستكون نزهة عسكرية وسياسية مشابهة لما تصوره في تجارب سابقة مثل فنزويلا.
لكن الحسابات اصطدمت بالواقع الإيراني، فمع مرور الأشهر بدأت الأهداف تتقلص تدريجيا، وتغيّر الخطاب الأمريكي من الحديث عن تحقيق انتصار شامل إلى البحث عن نتائج محدودة يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازا.
ولعل أكثر المؤشرات دلالة على ذلك ما كشفه نائب الرئيس جي دي فانس حين اختصر أهداف الحرب في نقطتين: ضمان استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في صياغة الخطاب، بل يعكس مأزقا سياسيا حقيقيا، فواشنطن التي تحدثت عن تركيع إيران وإجبارها على الاستسلام، باتت تبحث عن صيغة لإنهاء الحرب تضمن على الأقل استمرار تدفق الطاقة، بما يسمح لترامب بالخروج من المواجهة دون إعلان فشل واضح.
وبعبارة أخرى، كلما طال أمد الحرب، تقلصت الطموحات الأمريكية واتسعت الحاجة إلى تسوية تحفظ للرئيس الأمريكي صورة المنتصر، حتى لو كانت النتائج الفعلية أقل بكثير من الأهداف التي أعلنها في البداية.
لقد أخطأ ترامب، على ما يبدو، في قراءة طبيعة الخصم، وتعامل مع إيران كما لو أنها دولة يمكن إخضاعها بضربة قاسية أو حملة عسكرية خاطفة، متجاهلا أن طهران تعيش منذ أكثر من أربعة عقود تحت العقوبات والحصار والضغوط والتهديدات. وخلال هذه العقود، طورت إيران قدرة لافتة على امتصاص الصدمات والحفاظ على قدراتها الأساسية، وتحويل عامل الزمن إلى سلاح سياسي واستراتيجي.
وهنا تكمن المفارقة الأبرز في الحرب، فالمواجهة التي أرادها ترامب اختبارا لقوة الولايات المتحدة تحولت تدريجيا إلى اختبار لقدرة إيران على الصمود، وكلما طال أمدها، ارتفعت كلفة تحقيق الأهداف الأمريكية، وأصبحت مهمة تقديم الحرب للرأي العام الأمريكي باعتبارها انتصاراً حاسماً أكثر صعوبة.
في المقابل، تبدو طهران أكثر استعدادا لتصعيد المواجهة، خصوصا مع الحديث الإيراني عن الانتقال من السياسة الدفاعية إلى الهجومية بالكامل، وهذه الرسالة تعني أن إيران لا تريد أن تنتهي الحرب وهي في موقع الطرف الذي ينتظر شروط المنتصر، بل تريد جعل استمرار المواجهة مكلفا بما يكفي لدفع واشنطن إلى البحث عن تسوية.
من هنا يبدو عنوان المرحلة واضحا، ترامب يتراجع وإيران تصعّد، فالرئيس الأمريكي الذي دخل الحرب وهو يعتقد أن بإمكانه فرض شروطه على طهران، يجد نفسه مضطرا إلى تقليص تلك الشروط واحدا تلو الآخر، بينما تسعى إيران، بسياسة الصبر الاستراتيجي والصمود، إلى تحويل الحرب من معركة لإخضاعها إلى معركة لإثبات قدرتها على إفشال أهداف خصمها.
وقد يكون أكبر انتصار إيراني، في نهاية المطاف، ليس تحقيق كل أهدافها، وإنما منع ترامب من تحقيق أهدافه الكبرى، ففي الحروب لا يقاس الانتصار دائما بما تحصل عليه، بل أحيانا بما تنجح في منع خصمك من الحصول عليه.
بدرالدّين السّيّاري