مع الشروق : اليمن العظيم في زمن الأذلاّء والمطبّعين

مع الشروق : اليمن العظيم في زمن الأذلاّء والمطبّعين

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/10/22

لم تعد الاحتجاجات التي تهز عددا من العواصم الأوروبية مجرد تعبيرات متفرقة عن الغضب من غلاء المعيشة أو أزمة السكن أو تراجع الخدمات العامة، فما يحدث في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا ودول أوروبية أخرى يكشف بدرجات مختلفة عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة الأوروبية على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة الاقتصادية وتتسع الضغوط الجيوسياسية. 
وفي فرنسا، التي شهدت في أكتوبر موجة احتجاجات واسعة بدأت من أوساط تلمذية ثم اتسعت إلى قطاعات وفئات أخرى تبدو المسألة أكثر من مجرد خلاف حول التعليم أو الأسعار، فهي تعبير عن شعور متنامٍ لدى قطاعات من المجتمع بأن الدولة مطالبة بالكثير، بينما قدرتها على الاستجابة أصبحت أكثر محدودية.
المشهد الأوروبي اليوم يقف، بالفعل، أمام مفترق طرق، فالحكومات مطالبة في الوقت نفسه بتمويل الخدمات العمومية، وتحسين القدرة الشرائية، ومعالجة أزمة السكن، والاستثمار في البنية التحتية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع الانتقال الطاقي، والمحافظة على القدرة التنافسية للصناعة، غير أن هذه المطالب تأتي في لحظة اقتصادية صعبة، فالمفوضية الأوروبية تتوقّع نمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنحو 1.1 % فقط خلال 2026، مقابل 1.5 % في 2025، مع ارتفاع التضخم إلى 3.1 %، بينما تظل المالية العمومية تحت ضغط متزايد.
وإذا كان الاقتصاد هو الوجه الداخلي للأزمة، فإن الطاقة تمثّل أحد أبرز وجوهها الخارجية، فقد دخلت أوروبا العقد الحالي وهي تحاول التخلص من تبعيتها للغاز الروسي، ثم وجدت نفسها أمام اضطراب جديد في الأسواق العالمية للطاقة بسبب الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات التي مست طرق الإمداد، وتقرّ المؤسسات الأوروبية بأن أكثر من نصف الطاقة التي تستهلكها أوروبا يأتي من الوقود الأحفوري المستورد، بما يجعل القارة معرضة مباشرة للصدمات القادمة من خارج حدودها، وفي 2025 وحده استورد الاتحاد الأوروبي وقودا أحفوريا بقيمة تقارب 340 مليار يورو.
المفارقة أن أوروبا، التي تسعى إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي، تجد نفسها مضطرة إلى متابعة تطورات تقع في مناطق جغرافية بعيدة عنها، ولا تمتلك وحدها القدرة على التحكم في مساراتها أو نتائجها، وهذا لا يعني أن أوروبا فقدت نفوذها الدولي، لكنها تواجه واقعا جديدا أصبحت فيه قدرتها على التأثير أقل من قدرتها على تحمل تبعات القرارات والأزمات التي تتشكل خارج فضائها.
ومن هنا يصبح الشتاء المقبل اختبارا اقتصاديا وسياسيا في آن واحد، فمستويات تخزين الغاز الأوروبية أقل من مستويات السنوات السابقة، والأسعار لا تزال مرتفعة، فيما تتنافس أوروبا مع مناطق أخرى على إمدادات الغاز المسال، حيث توقعت "رويترز" أن تدخل أوروبا موسم الشتاء بمخزونات تتراوح بين 75 و78 %، وهي مستويات أدنى بكثير من متوسط السنوات الخمس السابقة، مع استمرار المخاطر المرتبطة بأسعار الغاز.
وهنا تكمن المعضلة الجيوسياسية الأوروبية، فكلما زادت الضغوط الداخلية، تقلّصت قدرة الحكومات على تحمل كلفة أدوارها الخارجية، وكلما احتاجت أوروبا إلى إنفاق أكبر على الدفاع والطاقة والتحول الصناعي، أصبحت مطالبة بإقناع مواطنيها بأن هذه الأولويات لا تأتي على حساب معيشتهم ومستقبلهم.
من الثابت أن احتجاجات أوروبا ليست مجرد أزمة أمنية ينبغي احتواؤها بالشرطة، ولا مجرد أزمة اجتماعية يمكن تجاوزها بحزمة مساعدات مؤقتة، بل هي اختبار للنموذج الأوروبي نفسه، ولقدرة القارة على الحفاظ على قوتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في عالم أصبحت فيه الطاقة والتجارة والأمن مترابطة، بينما تتزايد المنافسة الدولية وتتراجع قدرة أوروبا على التحكم منفردة في قواعد اللعبة.
الإجابة لن تحسمها الشوارع وحدها، لكنها ستتحدد بمدى قدرة الحكومات الأوروبية على تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر استقلالا في الطاقة، وأكثر قدرة على حماية الطبقات الوسطى والشباب، وأقل تعرضا للصدمات الخارجية.
هاشم بوعزيز
 

تعليقات الفيسبوك