مع الشروق : السياحة ليست فنادق فقط

مع الشروق : السياحة ليست فنادق فقط

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/06

​أن تساهم السياحة في ضخ ملايين الدينارات من العملة الصعبة في الخزينة، وأن تسجل الفنادق نسب امتلاء قياسية مع بداية صيف 2026، فهذا خبر سار للميزانية ...لكنه خادع للتنمية ، فالاحتفاء بأرقام الوافدين خصوصاً من أسواقنا التقليدية في أوروبا ومن الجزائر وليبيا، يحجب خلفه سؤالا جوهريا : هل يعكس "السرير"  المحجوز للسائح القيمة الحقيقية لبلاد بحجم تونس سياحيا ؟
​الخلل ليس في الأرقام نفسها، بل في طريقة قراءتها. إذ بات يُختزل القطاع السياحي ونموه وتطوره في مؤشرين فقط: عدد السياح وعدد الليالي المقضاة في الفنادق. بينما الواقع أوسع بكثير من "جدران النزل " المكيفة  لان السياحة الحديثة لم تعد مجرد إقامة مؤقتة، بل منظومة اقتصادية متكاملة تُقاس بقدرتها على خلق القيمة المضافة داخل المجتمع.
​في تونس، تتوفر مقومات هامة وضخمة تجعل من السياحة أكثر من مجرد موسم صيفي  فالبلاد تمتلك 8 مواقع مصنفة ضمن التراث العالمي، إضافة إلى مدن عتيقة نابضة بالحياة وصحراء شاسعة وواحات فريدة، وسواحل ممتدة، وجزر مثل جربة وقرقنة تحمل ذاكرة ثقافية وإنسانية غنية...ومع ذلك، يبقى جزء كبير من هذا الرصيد خارج دوائر الاستثمار السياحي الفعلي.
​على المستوى الاقتصادي، تشير المعطيات الحديثة إلى أن السياحة تساهم بأكثر من 10 بالمائة من الناتج الداخلي الخام إذا احتُسبت التأثيرات المباشرة وغير المباشرة، كما توفر مئات الآلاف من مواطن الشغل، سواء بشكل مباشر داخل النزل ووكالات الأسفار، أو بشكل غير مباشر عبر النقل والمطاعم والصناعات التقليدية. ومع ذلك، فإن جزءا هاما من هذا المخزون يبقى محصورا في المدن الساحلية الكبرى دون أن يمتد بشكل متوازن إلى الداخل والعمق التونسي.
​المشكل الأعمق أن “المنتوج السياحي” ما يزال يُدار بعقلية تقليدية، تُركز على السرير داخل نزل  أكثر من التجربة السياحية  بمعناها الشامل بينما السياحة في العالم اليوم أصبحت تقوم على التنوع: السياحة الثقافية، البيئية، العلاجية، الرياضية، وغيرها، وكلها مجالات قادرة على تحويل أي منطقة داخل البلاد إلى وجهة قائمة بذاتها، لا مجرد محطة عابرة.
​كما أن ضعف الربط بين الثقافة والسياحة يجعل جزءا من الثروة غير مرئي. فالمهرجانات المحلية، والحرف التقليدية، والمطبخ التونسي، والمواقع الأثرية، كلها عناصر قادرة على ضخ مداخيل إضافية لو وُضعت ضمن رؤية تسويقية متكاملة، وليس كأنشطة منفصلة.
​التحدي اليوم ليس في جذب المزيد من السياح فقط، بل في تغيير طبيعة التجربة التي يعيشونها داخل تونس، فكل سائح لا يجب أن يُقاس فقط بلياليه في الفندق، بل بما أنفقه في الأسواق، وما اكتشفه من ثقافة، وما تركه من أثر اقتصادي في الجهة التي زارها.
​إن نجاح السياحة لا يُقاس بعدد الوافدين، بل بقدرتها على تحويل البلاد كلها إلى فضاء حيّ للإنتاج الثقافي والاقتصادي، حيث لا يبقى البحر وحده واجهة البلاد، بل تصبح كل جهة جزءا من قصة سياحية واحدة اسمها تونس.
​راشد شعور

تعليقات الفيسبوك