مع الشروق : «السيزيام»... من صناعة النجباء إلى الهدْر المدرسي

مع الشروق : «السيزيام»... من صناعة النجباء إلى الهدْر المدرسي

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/07

أعلنت وزارة التربية أمس نتائج مناظرة الدخول إلى المدارس الإعدادية النموذجية "السيزيام" عبر الإرساليات القصيرة. ومن بين 213 ألفا و508 تلاميذ مرسّمين بالسنة السادسة من التعليم الأساسي، سجّل في المناظرة، في مرحلة أولى، 64 ألفا و65 تلميذا، لكن لم يجتزها منهم سوى 49 ألفا و661 تلميذا، أي ما يمثل أقل من ربع العدد الجملي.
كما أن من بين هؤلاء المترشحين، لم يتحصل سوى 17 ألفا و710 تلاميذ على معدل عشرة من عشرين فما فوق، بنسبة نجاح قُدّرت بـ35.66%، ومن بينهم توجّه 5317 تلميذا إلى الإعداديات النموذجية، وهم "زبدة" الناجحين.
وإن كان أعلى معدل قد أحرزه تلميذان من المدرسة العمومية بكل من القيروان وبئر علي بن خليفة بصفاقس، وهو ما يعدّ فخرا لمنظومة تربوية عاشت على وقع  الحكم عليها بالهزيمة أمام القطاع الخاص، فإنّ هذه النتائج يجب ألا تحجب عنّا عين الشّمس، خاصة عند التأمل في عدد المرسّمين بالسنة السادسة، وعدد المسجلين في المناظرة، وعدد الناجحين، ومن بينهم عدد النوابغ والمتميزين.
فالأرقام المتوفرة إلى حد الآن، وفق ما أفرجت عنه وزارة التربية، لا تعكس واقعا مبشرا بالخير للمدرسة العمومية، رغم أنها ما تزال صاحبة الريادة، خاصة في التعليم الابتدائي. فمثلما تنتج اليوم النجباء وتصنع النجاح، فإنها تنتج أيضا الفشل والانقطاع المدرسي، وتكشف عن واقع يستحق التشخيص الدقيق لمعالجة أعطابه وهناته، والتغلب على مشاكله، والارتقاء به.
وحتى لا نكون سلبيين ونقرأ تراجع عدد التلاميذ المفروض اجتيازهم "السيزيام" من أكثر من 200 ألف إلى أقل من 50 ألفا على أنه عجز أو هروب من التقييم ووضع مستوى التلميذ في حجمه الطبيعي، فإن حصيلة الناجحين بدورها تحتاج إلى التقييم، باعتبار أنها لم تبلغ نصف الممتحنين، بل بقيت في حدود الثلث. وهو ما يطرح السؤال: كيف يسجل مائة بالمائة من التلاميذ في سن التمدرس بالسنة الأولى، ولا ينجح في مرحلة ختم التعليم الأساسي بالسنة السادسة سوى أقل من نصفهم، ثم يتواصل هذا التراجع إلى مرحلة الباكالوريا؟
فهذا الهدر التلمذي يكشف عن عجز المدرسة العمومية عن الإبقاء على أبنائها وضمان استمراريتهم على مقاعد الدراسة طوال مسارهم الدراسي، وهو ما يجعل الانقطاع المدرسي أحد أهم المعضلات التي تحتاج إلى تقييم وعلاج.  كما يضعنا أمام واقع مزدوج لمنظومة تربوية قادرة على تحقيق التميّز، وفي الوقت نفسه تنتج الفشل والمغادرة المُبكّرة، وتسمح بعبور فئة من التلاميذ لا يصمدون في محطات تقييمية أخرى، مثل "النوفيام" والباكالوريا، حيث يضيق غربال التقييم  ويتواصل الهدْر المدرسي، مقابل نسب نجاح تبقى دائما دون المأمول، رغم الدّروس الخصوصية التي تشمل جميع المواد الممتحنة دون استثناء.
إن التميز المسجّل لا يحجب عنا تراجع عدد الناجحين، وعجز حوالي 80 % من مجتازي مناظرة "السيزيام" عن بلوغ المعدل القانوني. وعليه، من الضروري الأخذ بعين الاعتبار  عدد التلاميذ الذين شاركوا في المناظرة ولم يتحصلوا على معدل عشرة من عشرين، بما يسمح لهم بالعبور إلى الإعداديات النموذجية. وهؤلاء يمثلون 31 ألفا و951 تلميذا من بين أكثر من 49 ألفا اجتازوا المناظرة.
إننا أمام معادلة تربوية عجيبة  تستوجب وقفة مراجعة: كيف ينجح التلميذ في التقييم المدرسي طوال السنة، ويتمكّن من اجتياز المناظرة، ثم يعجز عن الحصول على معدل عشرة من عشرين؟ وهل يكمن الخلل في منظومة التقييم داخل المدارس، أم في طبيعة المناظرة، أم في جودة التعلمات التي يتلقاها التلميذ؟ إنها أسئلة لا ينبغي أن تُؤجَّل، لأن مستقبل المدرسة العمومية لا يتوقف  فقط على عدد المتفوقين والنجباء ، بل أيضا على ضمان الحد الأدنى من النجاح والاستمرار لبقية أبنائها.
وحيدة المي 
 

تعليقات الفيسبوك