من عطيل السودان إلى رياح تونس.. قراءة نقدية في رِوَايَتَيْ " موسم الهجرة الى الشمال" و " مواسم الريح"
تاريخ النشر : 18:14 - 2026/02/01
الكاتب، الوطن، والنقد
الكاتب هو الوطن، والنفس الحقيقية لأي نص عربي هي تمثيل تهميش الوطن. كل حرف يكتبه الكاتب ليس مجرد فعل فردي، بل صرخة امتداد للشريان التاريخي الذي يحمل ذاكرة الأرض والإنسان معًا. وفي قراءة النصوص، يظهر دور الناقد الذي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يعيد صياغة كل شيء كما لو كان يعلم عن الكاتب ما لا يعرفه هو عن نفسه. هنا يظهر الضمير، وهنا تتجلّى الأخلاق: ضرورة البناء والتعمير، لأن النقد الهدام ليس قراءة، بل قتال. والنقد لم يكن يومًا هدامًا حقيقيًا، بل وسيلة لتحرير النص وإعادة تنشيط الجسد التاريخي والفكري للكاتب.
الاستعمار الذي واجهه العرب كان ولا يزال حدثًا محزنًا في شريان التاريخ، صرخة تتردد مع صرخة الكاتب الأول الذي يمشي فوق الأرض قبل أن يكون المشي فعلًا، لأنه مختلف، لأنه يشبه شريان التاريخ نفسه، ينبض بالوجع والحياة، بالتمرد والوعي. قراءة النصوص بهذا الفهم تجعل من النقد مسؤولية أخلاقية وفعلًا حضاريًا، إذ لا يقتصر على التفسير، بل على إعادة الاعتبار للكاتب والوطن والذاكرة الجماعية..
مقدّمة: عن التجربة النقدية
خوضي هذه التجربة النقدية لم يكن اعتباطيًا، بل هو نتاج تفطّن وقراءة متمعنة. كل نص يُقرأ ليس مجرد قصة، بل مساحة للتفكير، واستدعاء الذكاء لدى القارئ. النقد هنا ليس امتيازًا لنخبة، بل قدرة كامنة في كل قارئ واعٍ، قدرة على التمييز بين السطح والعمق، بين الهروب من الحقيقة ومواجهتها.
أؤمن أن النقد البناء فضيلة لا تقل أهمية عن الكتابة نفسها. فهو ليس محاكمة جافة، ولا تقديسًا أعمى، بل وضع النص في موقع مساءلة صارمة، وإعادة قراءة ما فات، واستخلاص ما يستحق التأمل.
من هذا المنطلق، قرأت "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح و"مواسم الريح" للأمين السعيدي، ليس كقارئة عابرة، بل كناقدة تبحث في لغة الجسد، والإغراء، والهجرة، والنهاية، لتكشف عن ما يخفيه النصان عن تاريخ، عن واقع، وعن الصراع المستمر بين الشرق والغرب.
المانيفستو النقدي
لستُ معنية بتلخيص الروايات، ولا بتكرار ما استُهلك من قراءات. ما يعنيني هو ما تقوله الأجساد قبل أن تتكلم النهايات..
التفطن لأسلوبية السرد التي لا تنفصل عن ارتباط الفكر بالواقع الساحر رغم اختلاف أماكن الصرخة الأولى..
اشتركنا كلنا في وجع الاستعمار فانتقمنا بالأقلام..
وهذه كلماتي المتواضعة التي لا تصنع مقارنة بين رجلين بقدر ما صنعت فسيفساء متناسقة ولعل تواضع الكاتب السوداني الطيب صالح أثر في قلمي كثيرا وبراعة الآمين السعدي صقلت قراءتي النقدية..
في" موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، يُقدَّم مصطفى سعيد إلى المرأة الغربية بوصفه علامة اختلاف: لونه، لكنته، ثقافته، ذكاؤه، صمته، وحتى حضوره الجسدي. هذا الاختلاف يتحول إلى عنصر إغراء داخل فضاء غربي اعتاد التشابه.
الجسد الشرقي هنا مرغوب لأنه مختلف، لا لأنه معترف به. وهو اختلاف يُستهلك رمزيًا قبل أن يُدمَّر فعليًا. مصطفى سعيد يظن أنه المسيطر، لكنه في الحقيقة يتحرك ضمن لعبة كبرى لا يملك فيها القرار الكامل.
وحين يصل النص إلى نهايته الدموية، لا يكون القتل انفجارًا عاطفيًا، بل انكشافًا معرفيًا: فالرؤية المنقوصة اختزلت الصراع في علاقة فردية، وتغافلت عن حقيقة الهيمنة بوصفها منظومة اقتصادية وتاريخية تلتهم الإنسان وثروات وطنه معًا.
في "مواسم الريح" للأمين السعيدي، تشتغل الآلية ذاتها ولكن بنبرة أخفّ. الرجل الشرقي هنا يُغري لا عبر الصدام، بل عبر العفوية، الهشاشة، التفاصيل الصغيرة: سعلته، ارتباكه، حضوره غير المصقول. الجسد لا يُدمَّر، بل يُستعمل حتى يفقد ثقله الرمزي. النهاية لا تعلن الهزيمة، لكنها تجعلها حالة داخلية، صامتة، بطيئة.
تعدّد النساء: بين وهم الثورة وفخّ الجسد
يطرح تعدّد النساء في الروايتين سؤالًا لا يجوز تبسيطه أخلاقيًا:
هل نحن أمام ثورة على جسدٍ شرقي مُنتهك تاريخيًا؟
أم أمام سقوط جديد داخل الفخّ ذاته؟
في الروايتين لا يظهر التعدّد بوصفه متعة خالصة، بل بوصفه توترًا دائمًا. الرجل الشرقي القادم من فضاء تحكمه ثنائية الشرع والكبت، يجد نفسه في فضاء تحكمه ثنائية القانون والحرية الفردية. هذا الانتقال لا ينتج توازنًا، بل انفجارًا.
الجسد الذي كان مُراقَبًا، محاصرًا بالممنوع، يجد نفسه فجأة بلا سياج، فيتوهم أن كثرة النساء استعادة لحق مسلوب، أو انتقامًا مؤجلًا، أو إعلان تحرّر.
غير أن الروايتين تكشفان أن هذا الفعل ليس ثورة حقيقية، بل إزاحة للصراع لا حلًا له.
فالشرع لم يُستوعَب بوصفه قيمة، والقانون لم يُفهم بوصفه مسؤولية، فبقي الرجل معلقًا بين منظومتين، لا ينتمي إلى أيّهما بالكامل. وهكذا يتحوّل الجسد إلى ساحة صراع، لا إلى مساحة وعي.
في موسم الهجرة إلى الشمال، يقود هذا التوتر إلى مأساة صاخبة، لأن التعدّد يتحول إلى عنف رمزي ومحاولة يائسة لإثبات الذات داخل نظام لا يعترف بها إلا كاستثناء مثير.
وفي مواسم الريح، لا ينتهي التعدّد بالقتل، بل بالفراغ: فراغ المعنى، وفراغ الانتماء، حيث تصبح العلاقات محطات عابرة في حياة إنسان لا يستقر.
هنا تتجلى صورة الإنسان في الروايتين بوصفه طائرًا لاجئًا ومهاجرًا:
يطير هربًا من قيود الشرق، ولا يجد غصنًا ثابتًا في الشمال.
عطيل بين السودان وتونس
ظلّ عطيل حاضرًا كمنطق تمثيلي، لا كشخصية حرفية.
في السودان (الطيب صالح): عطيل يواجه نهايته بالدم، تجربة واقعية للكاتب نفسه، تعكس مصير بلدٍ عاش الاستعمار ونهب الأرض والإنسان.
في تونس (الأمين السعيدي): عطيل يذوب في الرياح، الكاتب يسافر بشخصياته لا بجسده، فتأتي الرحلة تخييلية، لكن نتيجتها واقعية؛ الهيمنة صامتة، والتعب طويل الأمد.
التشابه البنيوي يكشف أن العلاقة بين الشرق والغرب تبدأ بالجذب، تمرّ بالإغواء، وتنتهي بالموت أو التآكل.
خاتمة
هذه القراءة النقدية لا تدّين الشخصيات، بل تدين اختزال المعركة.
فالهيمنة لا تبدأ من السرير ولا تنتهي عند الجسد، بل تمتد إلى الاقتصاد والثروة والوعي، وتترك للإنسان وهم الرغبة، حتى يفقد وطنه وهو يظنّ نفسه مرغوبًا لا مُستَخدَمًا.
هذا مانيفستو نقدي، موقف، وليس مجرد تلخيص.
الأدب الكبير لا يُخشى نقده، بل يُطالَب به..
انسجامي مع السطور يجعلني أعتبر الرواية نصا لما يحمله مفهوم النص من عمق وفلسفة وتفرد.
الكاتب، الوطن، والنقد
الكاتب هو الوطن، والنفس الحقيقية لأي نص عربي هي تمثيل تهميش الوطن. كل حرف يكتبه الكاتب ليس مجرد فعل فردي، بل صرخة امتداد للشريان التاريخي الذي يحمل ذاكرة الأرض والإنسان معًا. وفي قراءة النصوص، يظهر دور الناقد الذي لا يكتفي بالمشاهدة، بل يعيد صياغة كل شيء كما لو كان يعلم عن الكاتب ما لا يعرفه هو عن نفسه. هنا يظهر الضمير، وهنا تتجلّى الأخلاق: ضرورة البناء والتعمير، لأن النقد الهدام ليس قراءة، بل قتال. والنقد لم يكن يومًا هدامًا حقيقيًا، بل وسيلة لتحرير النص وإعادة تنشيط الجسد التاريخي والفكري للكاتب.
الاستعمار الذي واجهه العرب كان ولا يزال حدثًا محزنًا في شريان التاريخ، صرخة تتردد مع صرخة الكاتب الأول الذي يمشي فوق الأرض قبل أن يكون المشي فعلًا، لأنه مختلف، لأنه يشبه شريان التاريخ نفسه، ينبض بالوجع والحياة، بالتمرد والوعي. قراءة النصوص بهذا الفهم تجعل من النقد مسؤولية أخلاقية وفعلًا حضاريًا، إذ لا يقتصر على التفسير، بل على إعادة الاعتبار للكاتب والوطن والذاكرة الجماعية..
مقدّمة: عن التجربة النقدية
خوضي هذه التجربة النقدية لم يكن اعتباطيًا، بل هو نتاج تفطّن وقراءة متمعنة. كل نص يُقرأ ليس مجرد قصة، بل مساحة للتفكير، واستدعاء الذكاء لدى القارئ. النقد هنا ليس امتيازًا لنخبة، بل قدرة كامنة في كل قارئ واعٍ، قدرة على التمييز بين السطح والعمق، بين الهروب من الحقيقة ومواجهتها.
أؤمن أن النقد البناء فضيلة لا تقل أهمية عن الكتابة نفسها. فهو ليس محاكمة جافة، ولا تقديسًا أعمى، بل وضع النص في موقع مساءلة صارمة، وإعادة قراءة ما فات، واستخلاص ما يستحق التأمل.
من هذا المنطلق، قرأت "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح و"مواسم الريح" للأمين السعيدي، ليس كقارئة عابرة، بل كناقدة تبحث في لغة الجسد، والإغراء، والهجرة، والنهاية، لتكشف عن ما يخفيه النصان عن تاريخ، عن واقع، وعن الصراع المستمر بين الشرق والغرب.
المانيفستو النقدي
لستُ معنية بتلخيص الروايات، ولا بتكرار ما استُهلك من قراءات. ما يعنيني هو ما تقوله الأجساد قبل أن تتكلم النهايات..
التفطن لأسلوبية السرد التي لا تنفصل عن ارتباط الفكر بالواقع الساحر رغم اختلاف أماكن الصرخة الأولى..
اشتركنا كلنا في وجع الاستعمار فانتقمنا بالأقلام..
وهذه كلماتي المتواضعة التي لا تصنع مقارنة بين رجلين بقدر ما صنعت فسيفساء متناسقة ولعل تواضع الكاتب السوداني الطيب صالح أثر في قلمي كثيرا وبراعة الآمين السعدي صقلت قراءتي النقدية..
في" موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، يُقدَّم مصطفى سعيد إلى المرأة الغربية بوصفه علامة اختلاف: لونه، لكنته، ثقافته، ذكاؤه، صمته، وحتى حضوره الجسدي. هذا الاختلاف يتحول إلى عنصر إغراء داخل فضاء غربي اعتاد التشابه.
الجسد الشرقي هنا مرغوب لأنه مختلف، لا لأنه معترف به. وهو اختلاف يُستهلك رمزيًا قبل أن يُدمَّر فعليًا. مصطفى سعيد يظن أنه المسيطر، لكنه في الحقيقة يتحرك ضمن لعبة كبرى لا يملك فيها القرار الكامل.
وحين يصل النص إلى نهايته الدموية، لا يكون القتل انفجارًا عاطفيًا، بل انكشافًا معرفيًا: فالرؤية المنقوصة اختزلت الصراع في علاقة فردية، وتغافلت عن حقيقة الهيمنة بوصفها منظومة اقتصادية وتاريخية تلتهم الإنسان وثروات وطنه معًا.
في "مواسم الريح" للأمين السعيدي، تشتغل الآلية ذاتها ولكن بنبرة أخفّ. الرجل الشرقي هنا يُغري لا عبر الصدام، بل عبر العفوية، الهشاشة، التفاصيل الصغيرة: سعلته، ارتباكه، حضوره غير المصقول. الجسد لا يُدمَّر، بل يُستعمل حتى يفقد ثقله الرمزي. النهاية لا تعلن الهزيمة، لكنها تجعلها حالة داخلية، صامتة، بطيئة.
تعدّد النساء: بين وهم الثورة وفخّ الجسد
يطرح تعدّد النساء في الروايتين سؤالًا لا يجوز تبسيطه أخلاقيًا:
هل نحن أمام ثورة على جسدٍ شرقي مُنتهك تاريخيًا؟
أم أمام سقوط جديد داخل الفخّ ذاته؟
في الروايتين لا يظهر التعدّد بوصفه متعة خالصة، بل بوصفه توترًا دائمًا. الرجل الشرقي القادم من فضاء تحكمه ثنائية الشرع والكبت، يجد نفسه في فضاء تحكمه ثنائية القانون والحرية الفردية. هذا الانتقال لا ينتج توازنًا، بل انفجارًا.
الجسد الذي كان مُراقَبًا، محاصرًا بالممنوع، يجد نفسه فجأة بلا سياج، فيتوهم أن كثرة النساء استعادة لحق مسلوب، أو انتقامًا مؤجلًا، أو إعلان تحرّر.
غير أن الروايتين تكشفان أن هذا الفعل ليس ثورة حقيقية، بل إزاحة للصراع لا حلًا له.
فالشرع لم يُستوعَب بوصفه قيمة، والقانون لم يُفهم بوصفه مسؤولية، فبقي الرجل معلقًا بين منظومتين، لا ينتمي إلى أيّهما بالكامل. وهكذا يتحوّل الجسد إلى ساحة صراع، لا إلى مساحة وعي.
في موسم الهجرة إلى الشمال، يقود هذا التوتر إلى مأساة صاخبة، لأن التعدّد يتحول إلى عنف رمزي ومحاولة يائسة لإثبات الذات داخل نظام لا يعترف بها إلا كاستثناء مثير.
وفي مواسم الريح، لا ينتهي التعدّد بالقتل، بل بالفراغ: فراغ المعنى، وفراغ الانتماء، حيث تصبح العلاقات محطات عابرة في حياة إنسان لا يستقر.
هنا تتجلى صورة الإنسان في الروايتين بوصفه طائرًا لاجئًا ومهاجرًا:
يطير هربًا من قيود الشرق، ولا يجد غصنًا ثابتًا في الشمال.
عطيل بين السودان وتونس
ظلّ عطيل حاضرًا كمنطق تمثيلي، لا كشخصية حرفية.
في السودان (الطيب صالح): عطيل يواجه نهايته بالدم، تجربة واقعية للكاتب نفسه، تعكس مصير بلدٍ عاش الاستعمار ونهب الأرض والإنسان.
في تونس (الأمين السعيدي): عطيل يذوب في الرياح، الكاتب يسافر بشخصياته لا بجسده، فتأتي الرحلة تخييلية، لكن نتيجتها واقعية؛ الهيمنة صامتة، والتعب طويل الأمد.
التشابه البنيوي يكشف أن العلاقة بين الشرق والغرب تبدأ بالجذب، تمرّ بالإغواء، وتنتهي بالموت أو التآكل.
خاتمة
هذه القراءة النقدية لا تدّين الشخصيات، بل تدين اختزال المعركة.
فالهيمنة لا تبدأ من السرير ولا تنتهي عند الجسد، بل تمتد إلى الاقتصاد والثروة والوعي، وتترك للإنسان وهم الرغبة، حتى يفقد وطنه وهو يظنّ نفسه مرغوبًا لا مُستَخدَمًا.
هذا مانيفستو نقدي، موقف، وليس مجرد تلخيص.
الأدب الكبير لا يُخشى نقده، بل يُطالَب به..
انسجامي مع السطور يجعلني أعتبر الرواية نصا لما يحمله مفهوم النص من عمق وفلسفة وتفرد.