التصادم بين السلطة والشعب يدرك ذروته: أمريكا بين الانتقال الناعم والحرب الأهلية

التصادم بين السلطة والشعب يدرك ذروته: أمريكا بين الانتقال الناعم والحرب الأهلية

تاريخ النشر : 14:34 - 2026/03/31

يؤكد شعار «لا للملوك» الذي رفعته 3300 مدينة أمريكية نهاية الأسبوع الفارط وجود مخاض داخلي مشابه للمرحلة الفاصلة بين طرد المستعمر البريطاني وهزيمة الأسطول الأمريكي في خليج السرّت الليبي وبالنتيجة عادت الولايات المتحدة إلى تلك الظرفية التاريخية الحساسة التي جسدت حاجة الشعب الى مؤسسات فدرالية قوية قادرة على تأطير الصراع الأزلي على «الأرض والذهب» الذي كان أساس استيطان البروليتاريا الأوروبية على الأرض الأمريكية منذ عام 1607 وإبعاد الشعب عن جحيم الحروب في الخارج. 
 وتمثل العودة إلى هذا المخاض انعكاسا طبيعيا لفقدان الثقة في النخبة الحاكمة التي ينظر إليها الشعب الأمريكي بوصفها مجرّد خادم لمصالح استعمار جديد يمارس الإستبداد الغاشم دون مقابل فالإستعمار البريطاني الذي جعل الشعب الأمريكي يقفز على كل التناقضات ويندمج في مسار ثوري قاد إلى استقلال عام 1776 يقابله اليوم بحث عن نخبة ثورية جديدة ذات مصداقية قادرة على تأطير حاجة الشعب إلى الإنعتاق من قبضة الأقلية الصهيونية التي تتحكم في الثروة والسلطة متسببة في تداعيات داخلية عميقة تجاوزت عتبة الحرمان من الحقوق الأساسية مثل الحق في العلاج والمآوى والغذاء لتفرز قلقا متزايدا على مستقبل «الوحدة الأمريكية» في خضم تفاقم مؤشرات انتقال الأزمة الوجودية للكيان الصهيوني إلى الداخل الأمريكي بما يعني أن الشعب الأمريكي أصبح يخشى على مصير أبنائه من الشيطنة الحاصلة للولايات المتحدة بسبب ممارسات النخبة الحاكمة. 
وعمليا لا توجد في الظرف الراهن شخصية بديلة مشابهة للأب المؤسس «جورج واشنطن» بإمكانها تحقيق الإنتقال الناعم من الاحتلال الصهيوني إلى استقلال جديد دون حصول صدمات عنيفة تهز أسس «السلم الأهلي» في الداخل وتحمي الجغرافيا الأمريكية الممتدة على 10 ملايين كلم مربع من احتمالات الغزو الخارجي. 
 كما لا يوجد حليف خارجي موثوق يساعد الشعب الأمريكي على صدّ ارتدادات التورط في حرب الوجود الصهيونية على غرار الإمبراطورية الفرنسية التي ساندت بقوة مسار التحرر الأمريكي من الاستعمار البريطاني خصوصا وأن هذا المعطى بالغ الأهمية يظل مرتبطا بمدى قدرة الشعب الأمريكي على ابتكار أدوات نضال سلمي تفرز قيادة سياسية وطنية قادرة على تمثيل المصالح الأمريكية وهو مخاض بالغ التعقيد في خضم تفاقم التأثير الصهيوني الذي وصل إلي قلب الدولة العميقة وأساسا مؤسسات الأمن القومي لاسيما في ضوء تغول سلطة مكافحة الهجرة «آيس» على القوانين الداخلية الضامنة لمبدأ المساواة وتحكم جنرالات الجيش الإسرائيلي في قاعة العمليات المشتركة للجيش الأمريكي في المقر الرئيس للبنتاغون. 
وبالنتيجة يفرز هذا التأثير الصهيوني تدميرا لمرتكزات القرار الوطني يظهر بوضوح من خلال التضارب الصارخ بين عودة عقيدة «مونرو» التي تجسد الوعي بحتمية الإكتفاء بتحصين المجال الجغرافي الحيوي وكانت امتدادا لصدمة خليج السرت عام 1804 التي تسببت في عزلة أمريكية دامت 112 عاما وبين السياسة العدائية التي تنتهجها عصابة «دونالد ترامب» وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تمزيق أوصال الولايات المتحدة بين متطلبات تحصين الذات وتداعيات المغامرات العسكرية في الخارج وحتى شعار «أمريكا عظيمة مجددا» Amercia  great again فإنه كان على مرّ التاريخ ممهدا لإنتكاسة أمريكية كبرى  مثل الهزيمة النكراء أمام الجيش الليبي في نهاية  حرب  الأربع سنوات  (1801 ـ  1804) التي تسببت فيها محاولة ممارسة الهيمنة في الخارج على غرار سيدة البحار آنذاك «بريطانيا العظمى»  التي كانت مستعمراتها لا تغيب عنها الشمس. 
وبالنتيجة  ارتبطت قوة أمريكا على مرّ التاريخ بالإنعزال والتفرغ للبناء الداخلي الذي يجعلها تستقطب إيجابيات العالم مثل النخب العلمية والمالية وتتفادى سلبياته فيما يؤدي الخروج إلى الساحة الدولية إلى انتكاسة كبرى تكون لها ارتدادات عنيفة على أسس التوازن في الداخل مثل مرحلة الجيل الضائع The lost generation التي تسببت فيها مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى وأدت إلى تغول سلطة المافيا وتفشي الإحباط في المجتمع. 
وبسبب ثلاشي أسس القومية الأمريكية التي دفنت على الأرجح مع جثمان الرئيس الأسبق جون كيندي في ستينات القرن الماضي فرطت الولايات في تموقعها الإستراتيجي القديم القائم على الإنعزال واستقطاب الآخرين للصين الشعبية التي تراكم مكاسب كبيرة دون اطلاق رصاصة واحدة وهو ما يعزز موقعها كشريك موقوق سائر دول العالم بما في ذلك الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة وعندما تخسر الولايات المتحدة هذه الميزة العريقة تفقد  حتما القدرة على تحصين أمنها القومي أي أنها لم تعد قادرة على النأي بشعبها وأرضها عن جحيم الحروب. 
بل يمكن القول  أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد جلب الحرب إلى بلاده عندما اختطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في ظرفية كانت تستعدي نهجا معاكسا تماما حيث أن تغير موازين القوى المالية والعسكرية في العالم بالتوازي مع سقوط سرديات المشروع العنصري الصهيوني حتى في الدول الغربية بفرض على الإدارة الأمريكية إدخال تغيير جذري سريع على سياساتها  الداخلية والخارجية لتحقيق متطلبات الإنسحاب العسكري الأمن  من الخارج وتفادي انفجار حرب أهلية في الداخل.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

أدانت جامعة الدول العربية بأشد العبارات، إقرار الكيان الصهيوني لقانون يسمح بإعدام الأسرى الفلسطين
13:31 - 2026/03/31
أكدت خدمة الإسعاف الإسرائيلية الثلاثاء نقل ثمانية أشخاص أصيبوا بجروح طفيفة إلى مستشفيات في منطقة
12:15 - 2026/03/31
 أكدت الصين الثلاثاء أن ثلاث سفن حاويات عبرت مضيق هرمز الذي أغلقته إيران على وقع حرب الشرق الأوسط
11:36 - 2026/03/31
ذكرت صحيفة "⁠وول ستريت جورنال" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبلغ ‌معاونيه باستعداده لإنهاء الح
09:25 - 2026/03/31
دوّت انفجارات في طهران وانقطع التيار الكهربائي في بعض أجزاء العاصمة، وفق ما ذكرت وسائل إعلام إيرا
08:28 - 2026/03/31
برزت ⁠الأسهم الصينية على نحو ​سريع ملاذا آمنا نسبيا في ​ظل حرب مستمرة منذ شهر ‌في الشرق الأوسط تض
08:01 - 2026/03/31
هاجمت إيران أمس الاثنين 30 مارس 2026 ناقلة نفط خام محملة بالكامل لتشتعل فيها النيران قبالة سواحل
07:30 - 2026/03/31
عندما أطلق الكيان الصهيوني وأمريكا عدوانهم الغاشم على إيران، كانوا يمنون النفس بإسقاط النظام الإي
07:00 - 2026/03/31