من الضاحية لحيفا.. معادلة ردع إيرانية جديدة مع الاحتلال؟
تاريخ النشر : 10:26 - 2026/06/08
لم يكن الهجوم الإيراني على إسرائيل، الليلة، مجرد رد عسكري على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا مجرد رسالة إسناد لحزب الله، بل إن الأهم في ما حدث أنه بدا محاولة إيرانية لتثبيت معادلة ردع جديدة: إذا استهدفت إسرائيل الضاحية، فإن الرد قد يأتي مباشرة من إيران نحو حيفا والشمال الإسرائيلي، لا من حزب الله وحده.
بهذه المعادلة، تحاول طهران منع إسرائيل من الاحتفاظ باليد العليا في إدارة التصعيد، فتل أبيب سعت خلال الفترة الماضية إلى توسيع هامش ضرباتها في لبنان، خصوصا في الجنوب والضاحية، مع إبقاء المواجهة ضمن سقف محسوب. أما إيران، فتريد نقل كلفة استهداف الضاحية إلى الداخل الإسرائيلي، وتحويلها من حدث لبناني إلى قضية أمن إقليمي.
يضيف اختيار الشمال الإسرائيلي ثقلا إلى الرسالة، إذ إن حيفا ومحيطها والقواعد العسكرية في الشمال تمثل عمقا حساسا لإسرائيل، وترتبط مباشرة بالجبهة اللبنانية. لذلك، فإن إدخالها في دائرة الرد الإيراني يعني أن الضاحية لم تعد هدفا يمكن ضربه من دون احتمال رد مباشر من طهران.
رسائل إستراتيجية
يقول الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار للجزيرة نت إن الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل تحمل رسائل إستراتيجية واضحة، في مقدمتها تأكيد "التزام طهران غير القابل للتراجع بشبكة حلفائها الإقليميين"، وإظهار أن استهداف مناطق مثل الضاحية الجنوبية لبيروت يُعد -في الحساب الإيراني- "تجاوزا صريحا للخطوط الحمراء الأمنية لإيران".
ويضيف دهقاندار أن طهران تسعى، عبر هذا التحرك، إلى إظهار تحول جوهري في مقارباتها الإستراتيجية، بحيث لا تبقى لاعبا يمكن التنبؤ بسلوكه بالكامل داخل حسابات الردع التي يبنيها خصومها. فإيران، بحسبه، تريد القول إنها قادرة، عند الاقتضاء، على تجاوز الأنماط السابقة، وانتزاع المبادرة الميدانية بصورة مستقلة ومباشرة.
كما يطرح غبيشاوي احتمالا آخر، وهو أن تكون إيران وأمريكا قد اقتربتا من اتفاق سياسي، وأن طهران أرادت، قبل إعلان هذا الاتفاق، تنفيذ هجوم صاروخي على إسرائيل من أجل خلق توازن سياسي وعسكري. ووفق هذه القراءة، تريد إيران أن تقول للرأي العام الداخلي والإقليمي إنها وافقت على الاتفاق وهي لا تزال قادرة على التحرك عسكريا، وإن قبولها بالتسوية السياسية لا يعود إلى عجز عسكري.
ويخلص غبيشاوي إلى توقع أن يتوقف الطرفان عند حدود تبادل هجمات محدودة. لكنه يضيف احتمالا آخر، مفاده أن الولايات المتحدة ربما تماطل وتتعمد إبقاء الوضع الحالي في حالة برزخ وتعليق "لا حرب ولا اتفاق"، من أجل كسب الوقت والاستعداد لهجوم عسكري في المستقبل القريب. ويرى أن الهجوم الإيراني يمكن أن يكون، أيضا، ردا على هذا الاحتمال.
اختبار المعادلة
تتقاطع قراءتا دهقاندار وغبيشاوي عند نقطة أساسية: الهجوم الإيراني يتجاوز الرد الآني، ويتعلق بمحاولة إعادة تعريف قواعد الاشتباك، فطهران لا تريد أن تبقى إسرائيل قادرة على ضرب الضاحية أو لبنان ثم التحكم وحدها بسقف الرد ومكانه.
لكن نجاح هذه المعادلة لا يتحدد بالضربة الإيرانية وحدها. فإذا قيّدت إسرائيل عملياتها في الضاحية، أو ردت بحدود محسوبة، ستقدم إيران ذلك بوصفه نجاحا في فرض كلفة جديدة على تل أبيب. أما إذا ردت إسرائيل بقوة، وواصلت استهداف الضاحية، فستكون طهران أمام اختبار صعب: إما تكرار الرد المباشر وتحمل خطر التصعيد، أو الاكتفاء برسالة واحدة ربما لا تكفي لتثبيت قاعدة دائمة.
وتكمن خطورة اللحظة في أن الطرفين يقرآن المعادلة من زاويتين متعاكستين: إيران تريد تثبيت "الضاحية مقابل الشمال"، بينما قد ترى إسرائيل أن قبول هذه القاعدة، ولو ضمنيا، يعني تآكل قدرتها على الردع وحرية عملها في لبنان.
لم يكن الهجوم الإيراني الليلة مجرد رد على قصف الضاحية، بل محاولة لتثبيت قاعدة ردع جديدة: استهداف الضاحية من إسرائيل قد يقابله استهداف حيفا والشمال الإسرائيلي من إيران نفسها، لا من حزب الله وحده.
لكن المعادلات لا تستقر بإطلاق الصواريخ فقط، بل بما يحدث بعدها. لذلك، فإن السؤال الأهم الآن ليس لماذا ردت إيران، بل هل ستسمح إسرائيل لهذه المعادلة بأن تثبت، أم ستسعى إلى كسرها؟
لم يكن الهجوم الإيراني على إسرائيل، الليلة، مجرد رد عسكري على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا مجرد رسالة إسناد لحزب الله، بل إن الأهم في ما حدث أنه بدا محاولة إيرانية لتثبيت معادلة ردع جديدة: إذا استهدفت إسرائيل الضاحية، فإن الرد قد يأتي مباشرة من إيران نحو حيفا والشمال الإسرائيلي، لا من حزب الله وحده.
بهذه المعادلة، تحاول طهران منع إسرائيل من الاحتفاظ باليد العليا في إدارة التصعيد، فتل أبيب سعت خلال الفترة الماضية إلى توسيع هامش ضرباتها في لبنان، خصوصا في الجنوب والضاحية، مع إبقاء المواجهة ضمن سقف محسوب. أما إيران، فتريد نقل كلفة استهداف الضاحية إلى الداخل الإسرائيلي، وتحويلها من حدث لبناني إلى قضية أمن إقليمي.
يضيف اختيار الشمال الإسرائيلي ثقلا إلى الرسالة، إذ إن حيفا ومحيطها والقواعد العسكرية في الشمال تمثل عمقا حساسا لإسرائيل، وترتبط مباشرة بالجبهة اللبنانية. لذلك، فإن إدخالها في دائرة الرد الإيراني يعني أن الضاحية لم تعد هدفا يمكن ضربه من دون احتمال رد مباشر من طهران.
رسائل إستراتيجية
يقول الباحث في الأمن الدولي عارف دهقاندار للجزيرة نت إن الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل تحمل رسائل إستراتيجية واضحة، في مقدمتها تأكيد "التزام طهران غير القابل للتراجع بشبكة حلفائها الإقليميين"، وإظهار أن استهداف مناطق مثل الضاحية الجنوبية لبيروت يُعد -في الحساب الإيراني- "تجاوزا صريحا للخطوط الحمراء الأمنية لإيران".
ويضيف دهقاندار أن طهران تسعى، عبر هذا التحرك، إلى إظهار تحول جوهري في مقارباتها الإستراتيجية، بحيث لا تبقى لاعبا يمكن التنبؤ بسلوكه بالكامل داخل حسابات الردع التي يبنيها خصومها. فإيران، بحسبه، تريد القول إنها قادرة، عند الاقتضاء، على تجاوز الأنماط السابقة، وانتزاع المبادرة الميدانية بصورة مستقلة ومباشرة.
كما يطرح غبيشاوي احتمالا آخر، وهو أن تكون إيران وأمريكا قد اقتربتا من اتفاق سياسي، وأن طهران أرادت، قبل إعلان هذا الاتفاق، تنفيذ هجوم صاروخي على إسرائيل من أجل خلق توازن سياسي وعسكري. ووفق هذه القراءة، تريد إيران أن تقول للرأي العام الداخلي والإقليمي إنها وافقت على الاتفاق وهي لا تزال قادرة على التحرك عسكريا، وإن قبولها بالتسوية السياسية لا يعود إلى عجز عسكري.
ويخلص غبيشاوي إلى توقع أن يتوقف الطرفان عند حدود تبادل هجمات محدودة. لكنه يضيف احتمالا آخر، مفاده أن الولايات المتحدة ربما تماطل وتتعمد إبقاء الوضع الحالي في حالة برزخ وتعليق "لا حرب ولا اتفاق"، من أجل كسب الوقت والاستعداد لهجوم عسكري في المستقبل القريب. ويرى أن الهجوم الإيراني يمكن أن يكون، أيضا، ردا على هذا الاحتمال.
اختبار المعادلة
تتقاطع قراءتا دهقاندار وغبيشاوي عند نقطة أساسية: الهجوم الإيراني يتجاوز الرد الآني، ويتعلق بمحاولة إعادة تعريف قواعد الاشتباك، فطهران لا تريد أن تبقى إسرائيل قادرة على ضرب الضاحية أو لبنان ثم التحكم وحدها بسقف الرد ومكانه.
لكن نجاح هذه المعادلة لا يتحدد بالضربة الإيرانية وحدها. فإذا قيّدت إسرائيل عملياتها في الضاحية، أو ردت بحدود محسوبة، ستقدم إيران ذلك بوصفه نجاحا في فرض كلفة جديدة على تل أبيب. أما إذا ردت إسرائيل بقوة، وواصلت استهداف الضاحية، فستكون طهران أمام اختبار صعب: إما تكرار الرد المباشر وتحمل خطر التصعيد، أو الاكتفاء برسالة واحدة ربما لا تكفي لتثبيت قاعدة دائمة.
وتكمن خطورة اللحظة في أن الطرفين يقرآن المعادلة من زاويتين متعاكستين: إيران تريد تثبيت "الضاحية مقابل الشمال"، بينما قد ترى إسرائيل أن قبول هذه القاعدة، ولو ضمنيا، يعني تآكل قدرتها على الردع وحرية عملها في لبنان.
لم يكن الهجوم الإيراني الليلة مجرد رد على قصف الضاحية، بل محاولة لتثبيت قاعدة ردع جديدة: استهداف الضاحية من إسرائيل قد يقابله استهداف حيفا والشمال الإسرائيلي من إيران نفسها، لا من حزب الله وحده.
لكن المعادلات لا تستقر بإطلاق الصواريخ فقط، بل بما يحدث بعدها. لذلك، فإن السؤال الأهم الآن ليس لماذا ردت إيران، بل هل ستسمح إسرائيل لهذه المعادلة بأن تثبت، أم ستسعى إلى كسرها؟