مع الشروق : ...«ثمرة» عشرات السنين من غياب التخطيط الاستراتيجي 

مع الشروق : ...«ثمرة» عشرات السنين من غياب التخطيط الاستراتيجي 

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/24

من سنة إلى أخرى، يتضح ان الدولة التونسية – على مر السنين – لم تعمل على استشراف المخاطر المستقبلية ذات العلاقة بالتحولات المناخية والطبيعية. حيث يقع الاكتفاء في كل مرة بمخططات تنمية خماسية او رباعية لا غاية منها سوى أطفاء « الحرائق الحينية « بعيدا عن كل تخطيط استراتيجي طويل الأمد، فتراكمت الازمات والمشاكل التنموية وأصبح التعاطي معها اليوم صعبا.
أزمات تتراكم منذ عشرات السنين شملت كل المجالات ذات العلاقة بالشأن المناخي والطبيعي.. من أزمة فقر مائي خطيرة الى أزمة شح طاقي مخيفة، فأزمة تلوث بيئي كارثي طال الأرض والجو والبحر، تتبعتها أحيانا أزمة فيضانات موسمية مرعبة وبدرجة أقل أزمة نقص غذائي موسمي مقلقة. وفي كل مرة لا يقع حل الازمة من جذورها بالتخطيط الاستراتيجي بعيد الأمد بل بالحلول الآنية «المهدّئة»..
وقد كشفت أزمة انقطاع الكهرباء والماء في الأيام الأخيرة، والتي كانت متبوعة بكابوس الحرائق ومسبوقة بفيضانات، أن بلادنا لم تنجح على امتداد عشرات السنين في التوقي من مختلف المخاطر. حيث اتضح اليوم ضعف وهشاشة مختلف المنظومات أمام التطرف المناخي والبيئي بسبب عدم اجتهاد مختلف الحكومات المتعاقبة - بما في ذلك حكومات بورقيبة وبن علي وحكومات ما بعد 2011  - لتجديدها وتطويرها كما حصل في جل الدول..
لم تعد منظومة الماء اليوم في تونس قادرة على تحقيق الامن المائي، وأصبحت المنظومة الطاقية بمختلف مكوناتها عاجزة عن توفير الامن الطاقي. كما أصبحت البنية التحتية هشة امام خطر الفيضانات في الشتاء، وباتت المنظومة الفلاحية عاجزة عن تحقيق أمن غذائي شامل ، والمنظومة البيئية غير متحكمة في التلوث البري والبحري وعاجزة عن التوقي من «غول « الحرائق..
ولم تعد آليات الحوكمة التقليدية قادرة على التوقي من مخاطر التطرف المناخي: فلا المخططات التنموية الخماسية او الرباعية بإمكانها استشراف المستقبل البعيد ولا قوانين المالية السنوية قادرة على حل الازمات من جذورها، ولا الوظيفة الإدارية البيروقراطية في مختلف الوزارات والهياكل العمومية بوسعها وضع الحلول الصلبة والقوية الصالحة لكل زمان ومكان.
تفتقر تونس إلى مؤسسات تفكير استراتيجي حقيقية مكونة من مفكرين واستراتيجيين وخبراء، قادرة على النظر الى المستقبل والتخطيط لكل الاحتمالات والمخاطر المستقبلية لا سيما ذات العلاقة بالتغيرات المناخية وهو ما أصبحت تعتمده اغلب الدول. وهو ما يدفع الى التساؤل عن الدور الذي من المفروض ان يلعبه المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية في هذا المجال بالنظر الى ما يتمتع به من خبرة وكفاءة .
ماذا لو خططت تونس منذ اكثر من 30 سنة – على الأقل – لتحقيق انتقال طاقي حقيقي وناجع بعيدا عن كل الحسابات الفئوية الضيقة؟ هل كنا سنعيش ازمة كبرى لانقطاع الكهرباء كالتي نعيشها هذه الأيام؟ طبعا لا.. وماذا لو خططت الدولة في الفترة نفسها  لتدعيم مصادر الماء على غرار تحلية مياه البحر وتطوير السدود ؟ هل كنا سنعيش «كابوس» الفقر المائي الآن؟ قطعا لا.. وهو ما ينطبق أيضا على قطاع النقل والصحة والتعليم وغيرها من الخدمات التي أصبحت عاجزة عن تلبية حاجيات وطلبات المواطن..
لو عملت الدولة منذ سنوات الاستقلال الاولى الى حدود السنوات الاخيرة على التخطيط الجيد للتعاطي مع الشأن البيئي بكل حرفية وكفاءة لكانت بلادنا اليوم من ارقى الدول على مستوى نظافة البيئة والمحيط.. ولو عملت على وضع استراتيجيات لتحسين البنية التحتية لما عشنا فيضانات كارثية في السنوات الاخيرة.. ولو كانت الهياكل المسؤولة على الشأن الفلاحي أكثر نجاعة ومسؤولية في التخطيط للمستقبل لما اصبح أمننا الغذائي مهددا.. وهو ما ينطبق على مختلف القطاعات الأخرى التي تعاني اليوم من الضعف والهشاشة.
في عديد الدول، كان استشراف المخاطر والتخطيط الاستراتيجي المستقبلي محور عمل مختلف الحكومات منذ عشرات السنين. وها هي تجني اليوم، ولو بنسب، متفاوتة ثمار ذلك التخطيط من تطور تنموي واقتصادي ورقي اجتماعي ومعيشي. وفي المقابل جنينا نحن «ثمار « سنوات من الفشل في التخطيط للمستقبل .  وهو ما يجب ان تنتبه له اليوم الدولة  حتى يقع – على الأقل – انقاذ ما يمكن إنقاذه وضمان مستقبل مستقر في جل المجالات للاجيال القادمة..
فاضل الطياشي
 

تعليقات الفيسبوك