مجموعة "حالة وعي " لسميّة بالرّجب ج(1\3) نص متقن البناء ومفتوح على التأويل

مجموعة "حالة وعي " لسميّة بالرّجب ج(1\3) نص متقن البناء ومفتوح على التأويل

تاريخ النشر : 08:20 - 2021/03/06

                                                                  بقلم : يوسف عبد العاطي
      عن دار سراس للنشر صدر العنوان الشخصي الثالث لسميّة بالرّجب و جاء هذه المرّة في جنس الشّعر حاملًا لعنوان « حالة وعي »،بعد أن كانت أصدرت سنة 2005 مجموعة قصصية أولى عن دار الاتحاف للنشر و حملت عنوان « سمفونية الآلام » ثم نشرت سنة 2008 عن دار سنابل مجموعة قصصية ثانية بعنوان  « أسرار ». هذا إلى جانب ما نشر لها من أشعار سنة 2010 في كتاب جماعي  للشّعر منإنتاج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ضمن سلسلة « إبداعات الطّلبة » كما ساهمت سنة 2020 بالانتاج في كتاب من تأليف مجموعة من المربّين أنجز تحت إشراف الدكتورة نورة اليوسفي و حمل عنوان  «  مختارات النّصوص من الأدب التّونسي للنّاشئة » دون أن ننسى حصولها على إحدى جوائز « عشق الكلمات » للشّعر النّسائي ( الإمارات العربيّة المتّحدة 2009) و حيازتها على عدد من الجوائز الوطنيّة في الشّعر و القصّة القصيرة. 
  و سميّة بالرّجب هي شاعرة و قاصّة و حاصلة على الدّكتوراه في علوم الإعلام و الاتّصال من معهد الصّحافة و علوم الإخبار سنة2018 و هي باحثة في علوم الإعلام و الاتّصال، و صحفيّة متعاونة و مكلّفة بالاتّصال بجامعة منّوبة. و قد  أصررت على تقديم كلّ هذهالمعطيات إيمانًا منّي بأنّها إحدى الأمثلة النّاجحة  لطموح الشّباب نظرًا لتوصّلها إلى تحقيق كلّ هذه الانجازات و هي لم تصل بعد إلى سنّ الخامسة و الثّلاثين من العمر.
  و من خلال كلّ ما تقدّم من معطيات نشعر جميعًا أنّنا أمام تجربة تستحقّ الاهتمام بحكم تنوّع أجناس الكتابة لديها ( قصّة قصيرة/ شعر / بحوث …) و ربّما تظهر  لها كتابات روائية أيضًا. هذا إلى جانب مثابرتها على النّشر و المساهمة في  تنشيط السّاحة الثّقافية بتنظيم التّظاهرات أو المشاركة فيها و هي من الأمور التي تجعل المبدع ملتصقًا بواقعه. 
   أعود إلى مجموعة « حالة وعي » و التي جاءت في خمس و مائة من  الصّفحات من الحجم المتوسط و ضمّت داخلها ستّة عشر قصيدةاختارت أن تُقدّمها للقارىء دون ذكر لتواريخ كتابتها، و هو أمر لا يمكننا أبدا مناقشة الشّاعرة فيه، لأنّ ما يهمّنا أكثر هو قيمة القصائد وبلاغتها. 
     و لتقريب ملامح مناخات الكتابة الأدبية و الشّعرية تحديدًا لدى سميّة بالرّجب،  أرى أنه من المفيد الإشارة إلى تلك الفقرات القصيرة التي نشرت في الغلاف الأخير و جاءت دون توقيع، رغم ميلي إلى نسبها  للشّاعرة  لعدّة اعتبارات من أهمّها أنّها حاولت تقديم المعاني، أودعني أقول أهداف المنجز  الابداعي بالاعتماد على ربط جميع عناوين القصائد في نصّ متماسك، و من هذا  المنطلق أشعر أن هذا النصّ هومن إبداع الشّاعرة نفسها، و الذي جاء كما يلي:
    ( في زمن الرّداءة تلُوح القصائد باهتة لتنشد أُهزوجة للشّفق… لترسُم وجهًا جديدا لهذا الصّنم…    و هذا الصّنم هو اللّغة الصّامتة حين تهلُّ الفُصول الحزينة و لا يبقى في ريْعِ  المواجع إلّا القلم يخطّ هواجس هارون و يسرُد قصّةالماضين للأمسِ الغريب و  يكتُبُ تاريخًا جديدًا من الأُمنيات… 
      في صحَارى الحُلم ينبُتُ « زهرُ الجبل » « ملء الخواء »… و يوَلوِل في وِسْعِ المسافة مطلقًا في الفضاء الكئِيب « زغاريدَ الرِّمال » الحزينة و يصرُخ: « رِيحِيَ الأوجاعُ دومًا ». 
   في «  هوى ذِي البلاد » « لا شيء يهفُو في ربيعٍ أو شتاء »… « كأُمنيةٍ للرّيح » تذُوب فيها المُفردات و تينَع شامخةً في تجاويف المِحن…
  في زمَن الحُروب الكثيرة يتفتّتُ الصَّنمُ الذِي يُعشِّشُ في تلافيفِ رُوحٍ سجينة و  يهتِفُ في شبهِ تشظٍّ… هو الصّمتُ التَليدُ يُكسِّرُهُ الشِّعرُالأغرّ ليجمع من شَظايَاه  تفاصيل ذات جديدة… تُباغِتُني «حالة وعيٍ» لأصدَحَ في برد الغِياب: «  خُذني إليك ». 
    و الأكيد أن صياغة هذه الفقرة بالاعتماد على عناوين القصائد، لم تكن سهلة  بالمرّة رغم نجاح سميّة بالرّجب من خلالها في تقديم رؤيتهاالخاصّة للكتابة،  أو دعني أقول قراءتها لمقاصد الأشعار التي ضمّتها مجموعة « حالة وعيٍ».  و هي وجهة نظر لا يمكن التّغافل عنها أبدًا،رغم اعترافي بأنّه لا يمكن لجميع  القرّاء التقيّد بها. فالإبداع حين يُنشر يُصبح ملكًا للقرّاء و الّذين يحق لهم تفسيره أو تأويل مقاصده حتّى وإن تعارض ذلك مع ترتيبات أو أهداف المبدع و نواياه، و  هذا رأي يُلزمني لوحدي و أتقيّد به، بل إنّ الاستنتاج غالبًا ما يتغيّر من قراءة  إلى أخرى عندي أنا بالذّات. 
       و لأنّ الشّاعرة مختصّة و باحثة في علوم الإعلام و الاتّصال، شعرت أنها كانت تحاول من خلال هذا الاستعراض البلاغي لمناخات قصائدها بالاعتماد على عناوينها، التّأثير على ذائقتي، بل أحسست أنّها كانت  تسعى إلى اقتيادي للتّسليم بتأويلاتها و عدم الافلات من تأثيراتها.  
        لا أنكر أنّ هذا النّصّ الموجز و المتقن في بنائه اللّغوي، حلّق بي بعيدًا في بحر  التّأويلات و الاستنتاجات. فالشّاعرة لم تجمع كل إنتاجاتها الشّعرية في هذا الكتاب، بل إنّها أقدمت على انتقاء المناسب من أشعارها لتشكيل هذه المجموعة  « حالةوعي » تاركة بقية القصائد  التي أنشدتها في بعض المناسبات، لضمّها في كتاب آخر و هذا يعطينا انطباعًا  واضحًا بأنّنا أمام مبدعة لا تتعجّل النّشر، بل تسعى إلى تجميع ما يتناسق مع بعضه البعض في كتاب واحد . 
      و من هذا الحرص الذي لمسته لدى سميّة بالرّجب، و كلّ هذه الدقّة في  الاختيارات، حاولت التجرّد من كلّ المؤثّرات الجانبية، دون الادّعاء  بنجاحي الكليّ في هذا المسعى، بحكم تعدّدها، و تنوّعها. لكنني سأحاول رغم ذلك تقريب البعض من تقنيات الكتابة لديها، منطلقًا في هذاالمسعى من الوقوف عند أهمّ العتبات، و وصولًا إلى اختيار نماذج أو مقاطع من القصائد، علّني أنجح من  خلال ذلك في تقريب أشعارها من القارئ.
 

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

  برز من رواد الأغنية التونسية في النصف الأول من القرن العشرين علي الرياحي (1912 – 1970) الذي بدأ
09:03 - 2021/04/14
كانت القيروان عاصمة الأغالبة منذ أسَّسها الفاتح عقبة بن نافع سنة (50 هـ – 670م) الموافق ل20 من شه
09:00 - 2021/04/14
صبراً على مضضِ الخطو ....ب وإِن أسَأْن بنا صنيعا
08:32 - 2021/04/14
عواصم تونس الإسلاميّة ثلاث، هي على التوالي: القيروان والمهديّة وتونس.
08:31 - 2021/04/14
تحول  جلال الدين الرومي الى بغداد ومنها الى مكة ثم استقر اربع سنوات في مدينة ملطية ، وبعدها توجهت
08:25 - 2021/04/14
بمناسبة الاحتفاء بذكرى الشهداء يوم 9 أفريل الجاري وأمام النصب التذكاري بساحة الشهداء بمنطقة السيج
08:00 - 2021/04/14