حرب التحريرين: الدولة العضوية الانمائية والاجتماعية ووظائف التحرير والقوة التحريرية
تاريخ النشر : 19:41 - 2026/01/21
نعم بعض الماء غناء، وبعضه رثاء. من وحي الأيام العصيبة الأخيرة التي عاشتها بلادنا نستخلص ان ندرة المعدن القيادي قد تؤدي إلى عزلة ذاتية لهذا المعدن على الجبهتين القيادية الهرمية والقيادية القاعدية. ونستخلص ان تفكيك هذه المعادلة وبناء الاستراتيجية الكفيلة بإنتاج معادلة سياسية مؤسساتية أخرى تحقق تطلعات الشعب في المرحلة المقبلة من أوكد المهام.
إن الدولة العضوية الانمائية والاجتماعية لا تقوم إلا على تكاتف ميثاقي شعبي ومؤسساتي ونوع من الدستور الفكري والأخلاقي حتى يكون التناسب بين المهام والصعوبات لخلق واقع أفضل مبني، لا فقط على أطر سيادية متكاملة وإنما أيضا مسؤولين مقتدرين وسياسات قابلة للتحقق. لا يفوتنا طبعا توضيح اننا نتبنّى مفهوما عضويا محددا للدولة وليس نظرية عضوية للدولة؛ مفهوما نوضحه تباعا.
نرجو أن تكون رجة معنوية وهبة ضمير ومؤسسات تحسن التصرف في الثروة التي نزلت من السماء بعد طول انتظار ويكون هذا الخير محفزا ودالا على طريق الاستشراف والاستعداد وحسن التدبير حتى يجد الخير مستقبلا البنى الكفيلة بتحويله إلى مكاسب واقعية.
إنها معركة معرفية وميدانية في ذات الوقت. وهي كما تقتضي التحرر المادي تقتضي التحرر المعرفي. وهي حرب وعي مثلما هي حرب إنجاز. وما يقتضي التحرير كحل في الواقع في الداخل والخارج يقتضي التحرير كحق وواجب وتحرير أول وثان وحرب تحرير في الوعي وفي الواقع. ويكون الشعب هو المحرر والمتحرر، في الوطن وبالوطن ومن أجل الوطن.
قد يلاحظ القارئ أن في مقترح مفهوم "دولة عضوية" استعادة لفكرة المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي، هذا بديهي، ولكن ليس المطلوب تحول الدولة إلى مثقف عضوي أو جهاز مثقفين عضويين، ربما وهما، وانما تحول وظائف الدولة من بيروقراطية متعالية سلطانية غنائمية فوقية ومنفصلة إلى دولة عضوية في نظام وظائفي.
قد يلاحظ الناقد ان المسألة أقرب إلى التنظير منها إلى الواقعية، فليكن، ولكن أليس هذا تناولا واقعيا عمليا هدفه النزول من أبراج الخطابات والمؤسسات والقوانين والمناصب ومقامات الكراسي والتشريفات إلى مقام الواجب الفعلي في حيز التنفيذ؟
في الواقع، لا يكفي تشويه كل شيء والتشكيك في كل شيء لنزع الثقة والأمل من عقول وقلوب الناس. ولا يكفي التبخيس والتفظيع والترثيث والترذيل للنجاح في زرع الإحباط والتيئيس. ولا يكفي الاستسلام للمصالح لنبذ المبادئ ولا التعود على الغنائم والوشايات والألعاب القذرة لحشر كل المجتمع في مربع هذه الألعاب حتى لا يكون أحد مثالا جيدا ولا قدوة نافعة صالحة. هذا تصور أموات لم يفقدوا ضمائرهم فحسب بل احتلت واختلت عقولهم ونفسياتهم ونظام حياتهم، وعلى أنقاض ذلك نريد ما نسميه "الدولة العضوية" التي لا تعبر فقط عن الحكم وانما عن الشعب أيضا. نقصد الدولة الحية المحايثة لا المفارقة، الملتحمة لا المنفصمة، المتصلة لا المنفصلة. هذا وليست هذه الدولة العضوية المنشودة مجرد أجهزة حكم ولا مجرد أجهزة إدارية بل كيان انصهار شعبي ومؤسساتي وقاعدي ونخبوي في رحم واحد.
وإذا ما كانت حية ومقاومة فمن المؤكد انها سوف تكون دولة انمائية بكل وظائفها الاجتماعية والسيادية والمقاومة. كيف لا تكون دولة عضوية وهي في طور تحرير، إنها لا يمكن أن تكون إلا كذلك حتى تؤدي وظيفة التحرير المعرفي ووظيفة التحرير القانوني ووظيفة التحرير التنفيذي الاقتصادي والاجتماعي ووظيفة التحرير الاستراتيجي بوجه عام. وعلى ذلك تكون كل وظائف الدولة العضوية وظائف دولة تحريرية، وتكون كل الوظائف وظائف تحرير، بعبارات أخرى.
لا يؤدي كل هذا بالضرورة إلى استخلاص مفهوم ما لما يعرف بــ "الكتلة التاريخية"، وإنما في رأينا، وفي هذه المرحلة، ما نسميه القوة التحريرية المؤسساتية والشعبية وعيا وواقعا، وهكذا تكون مهمة تاريخية تحريرية شاملة. ويكون المسار العام متصلا من تصور الحل تحريريا ( وهذا ما بيناه في "حل التحريرين" وممارسة الحق تحريريا كما بينا في "حق التحريرين" وتكون الحرب تحريريا كما نبين الآن في سياق "حرب التحريرين" فكرا وممارسة، في الداخل والخارج).
ههنا يتسنى لنا أن نعرف القوة التحريرية كمجموع القوى المادية والمعنوية والتنظيمية والتمكينية الانجازية، وهي قوى الدولة والشعب وقوى الفكر والساعد وقوى الروح والجسد والإبداع والإنجاز.
بلى، الفكر جزء من بناء مؤسسات الجمهورية الجديدة وأداة فعل سياسي مباشر حقيقي في التصور القاعدي الموسع والموحد حيث يكون الكل في مستوى المهمات المتصلة وحيث لا يأخذ الأدنى والأعلى والفوقي والتحتي أو السفلي أي معاني تفاضلية وهرمية سلبية، بل يأخذ الطابع التنظيمي والمنظم فحسب.
قد يرى القريب أو البعيد ان فلسفة التحرير هذه والدولة العضوية هذه نوعا من الإيذان بالتنظيم الشعبي الذاتي، وهو كذلك، لا بأس، ولكن من دون اسقاطات فوضوية تهدف إلى الإفساد بدل الإصلاح، وأول الأمر افساد الفكرة. إن الأطر التي ينظمها الشعب بنفسه، أي بإرادته وعبر الوسائل السياسية والآليات القانونية والأساليب الحضارية، ويتنظم فيها تحرره لا تضبطه بالمعنى القهري وتفصل بينه وبين تطلعاته بالمعنى الاستلابي الاستيلائي. فالتكامل السيادي هو المطلوب هنا وليس لا الانقياد القطعاني ولا الطغيان الفوقي. وفي هذه الحالة يفشل الإفساد المنظم للعقول وتبنى العقول وتستعاد ويبنى الإنسان النوعي والمبدع والسيادي الحقاني والعدالي المجتهد والمضحي حتى يتمكن من بلوغ مستويات العيش الكريم والرفاه بنبل وشرف.
أجل، قد تكون رسالة موجهة إلى جيل الطوفان الإنساني أو جيل التحرير الوطني على أساس الانتقال السيادي الفعلي وليس أوهام نقل السلطة من يد إلى أخرى وبتوجيه خارجي ثم الإنحراف بها إلى ظلمات المفاسد الكبرى.
نعم، يوجد إدراك عام نسبي، وإن كان مختلفا من فئة إلى أخرى، ان الحرب الإدراكية على اشدها وان سياسات صناعة "النظارة الجاهزة" تجارة رائجة هذه الأيام. وبالمقابل، هل نجحت الدول الريعية في ربوعنا؟ لا. وهل نجحت الدول المستوردة في كل عالم الجنوب؟ لا. ولذا فإن التحرر الشعبي من كل صنوف التبعيات والسرديات التابعة مهمة مركزية.
ونهاية، قد تكون "حرب التحريرين" وهي حرب وجود لا محالة، حرب تحرير وطني داخلي وحرب تحرير للعالم يخوضها العالم المتطلع إلى التحرير الأممي والإنساني في هذا السياق العالمي الذي يعرفه الجميع.
وتكون "حرب التحريرين" تنفيذا لــ "حل التحريرين" و "حق التحريرين".
نعم بعض الماء غناء، وبعضه رثاء. من وحي الأيام العصيبة الأخيرة التي عاشتها بلادنا نستخلص ان ندرة المعدن القيادي قد تؤدي إلى عزلة ذاتية لهذا المعدن على الجبهتين القيادية الهرمية والقيادية القاعدية. ونستخلص ان تفكيك هذه المعادلة وبناء الاستراتيجية الكفيلة بإنتاج معادلة سياسية مؤسساتية أخرى تحقق تطلعات الشعب في المرحلة المقبلة من أوكد المهام.
إن الدولة العضوية الانمائية والاجتماعية لا تقوم إلا على تكاتف ميثاقي شعبي ومؤسساتي ونوع من الدستور الفكري والأخلاقي حتى يكون التناسب بين المهام والصعوبات لخلق واقع أفضل مبني، لا فقط على أطر سيادية متكاملة وإنما أيضا مسؤولين مقتدرين وسياسات قابلة للتحقق. لا يفوتنا طبعا توضيح اننا نتبنّى مفهوما عضويا محددا للدولة وليس نظرية عضوية للدولة؛ مفهوما نوضحه تباعا.
نرجو أن تكون رجة معنوية وهبة ضمير ومؤسسات تحسن التصرف في الثروة التي نزلت من السماء بعد طول انتظار ويكون هذا الخير محفزا ودالا على طريق الاستشراف والاستعداد وحسن التدبير حتى يجد الخير مستقبلا البنى الكفيلة بتحويله إلى مكاسب واقعية.
إنها معركة معرفية وميدانية في ذات الوقت. وهي كما تقتضي التحرر المادي تقتضي التحرر المعرفي. وهي حرب وعي مثلما هي حرب إنجاز. وما يقتضي التحرير كحل في الواقع في الداخل والخارج يقتضي التحرير كحق وواجب وتحرير أول وثان وحرب تحرير في الوعي وفي الواقع. ويكون الشعب هو المحرر والمتحرر، في الوطن وبالوطن ومن أجل الوطن.
قد يلاحظ القارئ أن في مقترح مفهوم "دولة عضوية" استعادة لفكرة المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي، هذا بديهي، ولكن ليس المطلوب تحول الدولة إلى مثقف عضوي أو جهاز مثقفين عضويين، ربما وهما، وانما تحول وظائف الدولة من بيروقراطية متعالية سلطانية غنائمية فوقية ومنفصلة إلى دولة عضوية في نظام وظائفي.
قد يلاحظ الناقد ان المسألة أقرب إلى التنظير منها إلى الواقعية، فليكن، ولكن أليس هذا تناولا واقعيا عمليا هدفه النزول من أبراج الخطابات والمؤسسات والقوانين والمناصب ومقامات الكراسي والتشريفات إلى مقام الواجب الفعلي في حيز التنفيذ؟
في الواقع، لا يكفي تشويه كل شيء والتشكيك في كل شيء لنزع الثقة والأمل من عقول وقلوب الناس. ولا يكفي التبخيس والتفظيع والترثيث والترذيل للنجاح في زرع الإحباط والتيئيس. ولا يكفي الاستسلام للمصالح لنبذ المبادئ ولا التعود على الغنائم والوشايات والألعاب القذرة لحشر كل المجتمع في مربع هذه الألعاب حتى لا يكون أحد مثالا جيدا ولا قدوة نافعة صالحة. هذا تصور أموات لم يفقدوا ضمائرهم فحسب بل احتلت واختلت عقولهم ونفسياتهم ونظام حياتهم، وعلى أنقاض ذلك نريد ما نسميه "الدولة العضوية" التي لا تعبر فقط عن الحكم وانما عن الشعب أيضا. نقصد الدولة الحية المحايثة لا المفارقة، الملتحمة لا المنفصمة، المتصلة لا المنفصلة. هذا وليست هذه الدولة العضوية المنشودة مجرد أجهزة حكم ولا مجرد أجهزة إدارية بل كيان انصهار شعبي ومؤسساتي وقاعدي ونخبوي في رحم واحد.
وإذا ما كانت حية ومقاومة فمن المؤكد انها سوف تكون دولة انمائية بكل وظائفها الاجتماعية والسيادية والمقاومة. كيف لا تكون دولة عضوية وهي في طور تحرير، إنها لا يمكن أن تكون إلا كذلك حتى تؤدي وظيفة التحرير المعرفي ووظيفة التحرير القانوني ووظيفة التحرير التنفيذي الاقتصادي والاجتماعي ووظيفة التحرير الاستراتيجي بوجه عام. وعلى ذلك تكون كل وظائف الدولة العضوية وظائف دولة تحريرية، وتكون كل الوظائف وظائف تحرير، بعبارات أخرى.
لا يؤدي كل هذا بالضرورة إلى استخلاص مفهوم ما لما يعرف بــ "الكتلة التاريخية"، وإنما في رأينا، وفي هذه المرحلة، ما نسميه القوة التحريرية المؤسساتية والشعبية وعيا وواقعا، وهكذا تكون مهمة تاريخية تحريرية شاملة. ويكون المسار العام متصلا من تصور الحل تحريريا ( وهذا ما بيناه في "حل التحريرين" وممارسة الحق تحريريا كما بينا في "حق التحريرين" وتكون الحرب تحريريا كما نبين الآن في سياق "حرب التحريرين" فكرا وممارسة، في الداخل والخارج).
ههنا يتسنى لنا أن نعرف القوة التحريرية كمجموع القوى المادية والمعنوية والتنظيمية والتمكينية الانجازية، وهي قوى الدولة والشعب وقوى الفكر والساعد وقوى الروح والجسد والإبداع والإنجاز.
بلى، الفكر جزء من بناء مؤسسات الجمهورية الجديدة وأداة فعل سياسي مباشر حقيقي في التصور القاعدي الموسع والموحد حيث يكون الكل في مستوى المهمات المتصلة وحيث لا يأخذ الأدنى والأعلى والفوقي والتحتي أو السفلي أي معاني تفاضلية وهرمية سلبية، بل يأخذ الطابع التنظيمي والمنظم فحسب.
قد يرى القريب أو البعيد ان فلسفة التحرير هذه والدولة العضوية هذه نوعا من الإيذان بالتنظيم الشعبي الذاتي، وهو كذلك، لا بأس، ولكن من دون اسقاطات فوضوية تهدف إلى الإفساد بدل الإصلاح، وأول الأمر افساد الفكرة. إن الأطر التي ينظمها الشعب بنفسه، أي بإرادته وعبر الوسائل السياسية والآليات القانونية والأساليب الحضارية، ويتنظم فيها تحرره لا تضبطه بالمعنى القهري وتفصل بينه وبين تطلعاته بالمعنى الاستلابي الاستيلائي. فالتكامل السيادي هو المطلوب هنا وليس لا الانقياد القطعاني ولا الطغيان الفوقي. وفي هذه الحالة يفشل الإفساد المنظم للعقول وتبنى العقول وتستعاد ويبنى الإنسان النوعي والمبدع والسيادي الحقاني والعدالي المجتهد والمضحي حتى يتمكن من بلوغ مستويات العيش الكريم والرفاه بنبل وشرف.
أجل، قد تكون رسالة موجهة إلى جيل الطوفان الإنساني أو جيل التحرير الوطني على أساس الانتقال السيادي الفعلي وليس أوهام نقل السلطة من يد إلى أخرى وبتوجيه خارجي ثم الإنحراف بها إلى ظلمات المفاسد الكبرى.
نعم، يوجد إدراك عام نسبي، وإن كان مختلفا من فئة إلى أخرى، ان الحرب الإدراكية على اشدها وان سياسات صناعة "النظارة الجاهزة" تجارة رائجة هذه الأيام. وبالمقابل، هل نجحت الدول الريعية في ربوعنا؟ لا. وهل نجحت الدول المستوردة في كل عالم الجنوب؟ لا. ولذا فإن التحرر الشعبي من كل صنوف التبعيات والسرديات التابعة مهمة مركزية.
ونهاية، قد تكون "حرب التحريرين" وهي حرب وجود لا محالة، حرب تحرير وطني داخلي وحرب تحرير للعالم يخوضها العالم المتطلع إلى التحرير الأممي والإنساني في هذا السياق العالمي الذي يعرفه الجميع.
وتكون "حرب التحريرين" تنفيذا لــ "حل التحريرين" و "حق التحريرين".