"جو تونس" في قشلة العطارين: المدينة العتيقة محيط من الصور والأصوات والحكايات

"جو تونس" في قشلة العطارين: المدينة العتيقة محيط من الصور والأصوات والحكايات

تاريخ النشر : 16:32 - 2026/10/25

في المدينة العتيقة، حيث يفوح عبق التاريخ وعطر الحضارات التي مرت من هناك، استنطق الفن ذاكرة المكان وفتح النوافذ المكان على أسئلة العالم. مع انطلاق الدورة الثامنة من «جو تونس» تحوّلت، يوم السبت، قشلة العطارين وفضاءات تاريخية أخرى إلى ملتقى للأصوات والصور والحكايات، معلنة عن أول محطة خارج سويسرا لبينالي الصورة المتحركة بجنيف، من خلال معرض "أن نصبح محيطا". 
وبين تركيبات الفيديو والأداءات الصوتية والعروض الحيّة، لم تكتفِ الفنون المعاصرة باستثمار روح المكان، إنما حاورت ذاكرته واستحضرت أسئلة الحدود والمنفى والهوية والانتماء. فمنح "جو تونس" المدينة العتيقة حياة أخرى تتجاور فيها أصداء الماضي مع قلق الحاضر وتطلّعات المستقبل.
أمام حشد من الفنانين والقائمين على المعارض وعشاق الفنون،  إلى جانب فضوليين جذبتهم أجواء الحدث، استعاد كمال الأزعر رئيس "مؤسسة كمال الأزعر" التي تحمل اسمه، العلاقة المتجذّرة التي تربط "جو تونس" بمدينته. فخلق الحوار التفاعلي بين التراث العريق للمدينة العتيقة ومختلف أشكال الإبداع المعاصر ليس مجرد خيار جمالي، إنما هو أقرب إلى فعل إيمان بقدرة الفن على الترميم وإعادة الحياة إلى الذاكرة المنسية.
من جهته، احتفى أندريا بيليني، مدير مركز الفن المعاصر بجنيف وأحد القيّمين المشاركين على التظاهرة بحرارة بهذه المغامرة المشتركة مسلطًا الضوء على القوة السردية لمعرض"أن نصبح محيطا".
وقد تحوّلت اقشلة العطارين إلى فضاء غامر، أشبه بمحراب فني يتوقف فيه الزمن. ففي برودة قاعاتها المقبّبة التي استعادت شيئا من مجدها، قدّم فنانون تشكيليون من خلفيات متعددة ستة عشر عملا من الفن المعاصر ومن تركيبات الفيديو والتدفقات المتلاحقة من الصور. خلف هذه الجدران المثقلة بالتاريخ، فتحت الأعمال الفنية الباب على أسئلة مستفزة حول الحدود والانتماءات وأنماط السكن في العالم.
لم يتم استدعاء التراث ليكون مجرد خلفية تزيّن الفن وتمنحه سحر المكان، بل حضر عنصرا أصيلا في  هذه التجربة، وذاكرة حيّة تُحاور الأعمال المعاصرة.
ومن هذا اللقاء بين المكان التاريخي والفنون القادمة من جهات مختلفة من العالم، ينبثق معرض  "أن نصبح محيطا" الذي يمنح هذه الدورة من «جوّ تونس» بُعدا جديدا. فللمرة الأولى، يُنتَج بينالي الصورة المتحركة بجنيف خارج سويسرا في ثمرة تعاون بين مركز الفن المعاصر بجنيف ومؤسسة كمال الأزعر.

16 فنانا لرسم خرائط العالم المتشظي
قدّم الفنانون الستة عشر، وهم: تبارك الله عباس، ويونس بن سليمان، ومونا بنيامين، وإس. إيه. تشافاريا، ولينا حبيب الله، ورومان سليم خريديـن، وزين مجالي، وآلاء منصور، وباولو نازارث، وديان سيفيرين نغوين، وليف شولمان، وهيلديغارد تيتوس، وناتاشا تونتي، وكاستييل فيتورينو برازيلييرو، إلى جانب الثنائي المكوّن من هجرة وحيد وسارة زرياب، أعمالا جديدة اقترحوا من خلالها طرائق متعددة للتفكير في الروابط التي تجمعنا، وخطوط التصدّع التي تخترق مجتمعاتنا.
وفي قلب تونس العتيقة، نسجت تركيبات الفيديو هذه خرائط حيّة للقضايا الملحّة في زمننا، مستحضرة أسئلة الانتماء والهوية والذاكرة والعلاقات الإنسانية في عالم تتشابك فيه المصائر بقدر ما تتسع فيه الشروخ.
وفي قشلة  العطّارين أيضا، قدّمت الفنانة والمؤلفة الموسيقية المنحدرة من شعب أيمارا، تشوكواماني كوندوري، المعروفة كذلك باسم إليسيا كرامبتون، عرضها الصوتي "غروب الشمس".  ويحضر غروب الشمس الذي يحيل إليه العنوان بوصفه عنصرا متكررا في أعمالها، تعود إليه وتستكشفه عبر إبداعاتها وتعاوناتها الفنية على الركح.

الفنون تغادر قاعات العرض إلى أزقة المدينة
لم تتوقف تظاهرة "جو تونس" عند أسوار ثكنة العطّارين. فمع امتداد فترة ما بعد الظهر إلى المساء، توزّعت فعاليات اليوم الافتتاحي على فضاءين آخرين من معالم المدينة العتيقة، ليصبح التنقل ذاته جزءا من التجربة التي خلقت حركة مختلفة في الأزقة. العتيقة
كان المشاركون في «جو تونس» يتنقلون من فضاء إلى آخر، متداخلين مع المارة، فيما وجد التجار والحرفيون أنفسهم، أحيانا، في موقع المرشدين الذين يدلّون الزوار على الطريق ليتحولوا بدورهم إلى شركاء في هذه الجولة الفنية. وعند منعطفات الأزقة، كانت الإرشادات تتحول إلى أحاديث عفوية ولقاءات فضولية، فتدخل الحياة اليومية للسكان والتجار في صميم حركة البينالي.
هكذا، غادر الفن فضاءات العرض التقليدية ليتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في المدينة العتيقة، ويصنع صلة مباشرة بين الإبداع والناس، بعيدا عن الحواجز التي قد تفصل العمل الفني عن محيطه.
في المركز الثقافي بئر الأحجار، اتخذت الأجواء منحى أكثر حميمية. وبين أعمدة الفناء الداخلي، اعتلى مبدعون شباب المنصة، جامعِين بين الشعر وحكايات المنفى وشذرات من الأرشيف الحي. وكان الإصغاء أقرب إلى طقس من الخشوع، فيما تعلقت الأنظار بكلمات جيل يعيد ابتكار أساطيره الخاصة.
وتعاقبت العروض بين «Sous les rires» لريتا الحاج، وقراءة «COW HOW? CAU HOI?» لتران تران، والأداء السمعي البصري «Impronte (Empreintes) : tout était dans mon corps» لأورفيو أورورا ليلي، في لقاء امتزجت فيه الذاكرة بالتعبير الشخصي، وتجاورت فيه أصوات الشباب مع تجارب المنفى وأسئلته.
وعلى بُعد أزقة قليلة، احتضنت  كنيسة سانت كروا، مشهدا مغايرا تماما. تحت أقبية صُمّمت لتمنح الصوت أبعاده، اهتزّ المعلم على وقع هندسات صوتية وبصرية حوّلت المكان إلى فضاء فني نابض.
هناك، صدح عرض "زين مجالي" الصوتي «هل ستظل تحبني لو كنتُ سربا؟»، مقدّما تأملًا مؤثرا في الثقافة التي تغذّي المجتمع الأردني رغم ندرة الفضاءات العامة فيه، حيث تتحول السيارة وخلاصة المنشورات المتدفقة على منصات التواصل الاجتماعي إلى واجهتين أساسيتين لتبادل المعلومات، أشبه بطريقين سريعين للمعلومة يخضعان لمراقبة دائمة.
ومن خلال المزج بين أفلام المحاكاة والصور المُولّدة والمقاطع الأرشيفية، تشكّل العمل مباشرة أمام الجمهور، في عملية تركيب حيّ استندت إلى مقتطفات من «تيك توك» وإبداعات موسيقية أصلية، لتتداخل الصورة والصوت في قراءة فنية لطرائق إنتاج الثقافة وتداولها تحت أعين الرقابة.

من ذاكرة الجدّة إلى مقاومة الاقتلاع
تواصلت الأمسية لاحقا، بعيدا قليلا عن المدينة العتيقة، في قاعة الفن الرابع التي احتضنت  عند الساعة الثامنة والنصف مساء، عرض «C!S-TEM ERROR. The H in My Name Is Not Silent» للمصمم والراقص اللبناني نديم بحسون.
في هذا العمل الغامر، الذي يمزج الرقص بالغناء والسرد، دعا الفنان الجمهور إلى تجربة حسية تستند إلى حكايات جدته أمينة. ومن خلال هذه الذاكرة العائلية، فتح العرض أبوابا على مفاهيم الأمان والعنف والاقتلاع والأرض، محتفيا في الوقت ذاته بإرث من الصمود العائلي ومقاومة القوى الاستعمارية.
هكذا، تداخل الخاص والعام، وتحولت حكاية الجدّة إلى نافذة على تاريخ أوسع من الجراح والاقتلاع، وعلى قدرة الذاكرة العائلية على حفظ أشكال المقاومة ونقلها من جيل إلى آخر.
بين وقار الكلمات التي رافقت الافتتاح وعفوية العروض الأدائية التي امتدت إلى الليل، رسم اليوم الأول ملامح شهر كامل من الاحتفاء بالفنون المعاصرة. إنّ "جو تونس"  تظاهرة ترفض الحدود، لا لتكتفي بتجاوزها إنما لتبحث عن إمكانات أخرى للانتماء والتواصل. فلا تعود الهويات جزرا معزولة بل تيارات تتلاقى وتتشابك. ويصبح الفن، بكل اختلافاته وأسئلته، محيطا يتسع للجميع.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

 أجمع المتدخلون في الندوة الفكرية الملتئمة تحت عنوان "أسئلة التكوين المسرحي في عصر الذكاء الاصطنا
16:40 - 2026/10/25
بعد انقطاع دام سنتين، استعادت مدينة الثقافة الشاذلي القليبي موعدها مع الكتاب التونسي، بانطلاق الد
07:00 - 2026/10/25
من قنص الكلاب إلى التنمّر والعنف وتكميم الصحافة..
07:00 - 2026/10/24
العديد من المواقف التي جمعت بين الفنانين قديمًا، كان يخرج منها أما لحنًا جديدًا، أو فكرة عمل فني
07:00 - 2026/10/24
بكاء كاتب قهرا بسبب تفاجئه بقاعة خالية من الحاضرين خلال حفل توقيع كتابه الجديد مشهد أثر في العديد
07:00 - 2026/10/24
 تحت إشراف المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بولاية بن عروس، افتتح مؤخرا برواق الفنون ببن عروس ال
07:00 - 2026/10/24