تحاليل «الشروق» شعوب يائسة وأنظمة عاجزة: حريق أوروبا..إلى أين ؟
تاريخ النشر : 13:01 - 2026/10/22
ربما لن تكون النهاية لكنها حتما بداية زلزال في القارة العجوز سيجرف كل السرديات الزائفة التي طالما كبتت أزمة وجودية ظلت تبحث عن قادح لتنفجر في الشارع.
شعوب أوروبا الضائعة نفد صبرها ولا تجد أمامها سوى منطق الشارع لعلها تصنع بملإ إرادتها نخبا جديدة صادقة وقادرة على تأطير الشارع المشتعل في إتجاه بناء مشاريع وطنية مستقلة فعليا عن أي وصاية خارجية لأن أزمة أوروبا هي في المقام الأول أزمة هوية وانعدام سيادة تفرز إحساسا شنيعا بالإذلال الذي يلتقي اليوم مع إطلالة شبح الجوع في ظل أنظمة حكم صورية منفصلة تماما عن واقع شعوبها بما في ذلك مؤسسات الإتحاد الأوروبي التي تقودها امرأة عيّنها البيت الأبيض بمكالمة هاتفية «أورسولا فاندر لاين».
وعلى هذا الأساس وجدت أوروبا نفسها تجدف ضد مجرى التاريخ عندما اشتد مخاض العالم الجديد حيث لم تستطع أن تفهم أبعاد ومتطلبات ثورة بلدان الجنوب وفرضت عليها الوصاية الصهيو أمريكية أن تنخرط في حرب مدمرة ضد روسيا وحرب أخطر على شعوب أوروبا التي دفعت غاليا ثمن عجز حكوماتها على فعل أي شيء لتفادي السقوط المدوي أمام اختبار التاريخ لتتحول أوروبا إلى ساحة حرب تماما مثلما كانت في الحرب العالمية الثانية حين ولد العالم السوفياتي الأمريكي من رحم المأساة الأوروبية.
وأدى إمعان الحكومات في سياسة الهروب إلى الأمام وترحيل الأزمات إلى إغراق أغلب دول الإتحاد الأوروبي في دوامة شراء ديون جديدة لخلاص ديون سابقة بالتوازي مع الإفراط في الضرائب Sur Taxation فقد فرضت الحكومة الألمانية على مواطنيها خمسة ضرائب جديدة منذ قيام الحرب الأكرانية كما تستعد هذه الأيام لتمرير قانون يرفع سن التقاعد إلى 67 عاما فيما اضطرت الحكومة البريطانية إلى حرمان 10 ملايين متقاعد من منحة الشتاء التي كانت تساعدهم على مجابهة تكاليف التدفئة أما فرنسا فقد بيعت عدة مرات بديونها التي تخطت 3300 مليار يورو وفوائد الدين التي زادت في النصف الأول لهذا العام بنحو 65 مليار يورو بسبب ارتفاع مستويات التضخم.
كما فقدت أوروبا الإستقرار السياسي بتساقط الحكومات مثل الذّباب في أعتى الدول وبلغ الإحساس بالذل ذروته مع تفاقم الإبتزاز الأمريكي الذي وصل إلى حد افتكاك ثروات «غرين لاند» رغم أنها أرض أوروبية وإخضاع أوروبا لشروط جدّ مجحفة لتجديد الإتفاق التجاري فقد التزم الإتحاد الأوروبي بشراء أسلحة ومنتوجات طاقة أمريكية بميزانية تجاوزت تريليون يورو؟
وحين تلتقي كل هذه العوامل تفقد الشعوب الأوروبية ثقتها في نخبها الحاكمة وتدرك أن دولها مجرّد مستعمرات نشأت في الواقع بسبب عراقة الوصاية الصهيو أمريكية التي بدأت بمشروع «جورج مارشال» لإعادة بناء أوروبا الخارجة من دمار الحرب الكونية الثانية وتطورت عبر مراحل مترابطة أدركت ذروتها في تسعينات القرن الماضي حين فرضت أمريكا جغرافيا أوروبية جديدة بتقسيم يوغسلافيا إلى دويلات وإنشاء البيروقراطيّة الأوروبية مجسدة في المؤسسات الإتحادية حتى يسهل التحكم في مصير 27 دولة انطلاقا من أروقة بروكسال.
وبسبب ما أفرزته هذه الوصاية من أنظمة كرتونية خرجب أوروبا من سباق المعرفة والتكنولوجيا وهو مالاح جليا إبّان جائحة كوفيد حين احتكرت كل من أمريكا والصين وروسيا السبق في ابتكار التلقيح فيما تقف أوروبا عاجزة أمام المنافسة الآسيوية القوية لاسيما في ميدان الصناعات الميكانيكية لدرجة أن أعتى وأعرق العلامات الألمانية قد يتوقف نشاطها قبل انتهاء عام 2027 .
وفيما تشتد الأزمات الداخلية تعقيدا يتعاظم إحساس الشعوب الأوروبية بالقهر في ظل حكومات تتحدث في كل شيء إلا مشاكل شعوبها وهو ما يعيد إلى الذاكرة حكاية إبنه الملك لويس التي تساءلت «لماذا لا يأكلون الكرواسون» عندما أبلغوها أن الشعب الفرنسي جائع ولا يجد رغيف الخبز.
والإحساس بالقهر هو بداية الطريق نحو الانفجار بوصفه حتمية تاريخية لأزمة وجود عميقة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والثقافية والمعيشية لأن الشعوب الأوروبية اقتلعت من جذورها بسبب إخضاعها لعملية مسخ ثقافي وأخلاقي استمرّت عدة قرون من الزمن وتجسدت بعد الحرب العالمية الثانية في ثنائية الإنبهار بأمريكا والولاء الأعمى لإسرائيل.
وبهذا المقياس لن تنجح الأنظمة الأوروبية في تحويل وجهة الإحتقان الشعبي نحو المهاجرين لأن أزمة المجتمعات الأوروبية أعمق بكثير حيث تتعلق بالأسباب التي أوصلتها إلى مرحلته فقدان القدرة على التجدد وكأنها أخضعت لتطهير عرقي طوعي وصل في بعض المجتمعات الأوروبية إلى حدّ انهيار العائلة التي تمثل الخلية الحيوية للمجتمع.
والواضح أيضا أن أجواء التحرر الوطني التي تخيم على المخاض الإنساني الراهن وأوصلها الشعب الفلسطيني إلى ذروتها بصموده الأسطوري أمام أشنع ممارسات التقتيل والتجويع والتعذيب كانت بمثابة القادح الذي أشعل الإحتقان الأوروبي وأوصله إلى لحظة الإنفجار الذي لا يمكن التكهن بشكله أو مداه لكنه يمثل في كل الحالات بداية دورة تاريخية جديدة في القارة العجوز ستأخذ من الوقت ما تتطلبه استعادة الشعوب الأوروبية لحقها في تقرير المصير.
ربما لن تكون النهاية لكنها حتما بداية زلزال في القارة العجوز سيجرف كل السرديات الزائفة التي طالما كبتت أزمة وجودية ظلت تبحث عن قادح لتنفجر في الشارع.
شعوب أوروبا الضائعة نفد صبرها ولا تجد أمامها سوى منطق الشارع لعلها تصنع بملإ إرادتها نخبا جديدة صادقة وقادرة على تأطير الشارع المشتعل في إتجاه بناء مشاريع وطنية مستقلة فعليا عن أي وصاية خارجية لأن أزمة أوروبا هي في المقام الأول أزمة هوية وانعدام سيادة تفرز إحساسا شنيعا بالإذلال الذي يلتقي اليوم مع إطلالة شبح الجوع في ظل أنظمة حكم صورية منفصلة تماما عن واقع شعوبها بما في ذلك مؤسسات الإتحاد الأوروبي التي تقودها امرأة عيّنها البيت الأبيض بمكالمة هاتفية «أورسولا فاندر لاين».
وعلى هذا الأساس وجدت أوروبا نفسها تجدف ضد مجرى التاريخ عندما اشتد مخاض العالم الجديد حيث لم تستطع أن تفهم أبعاد ومتطلبات ثورة بلدان الجنوب وفرضت عليها الوصاية الصهيو أمريكية أن تنخرط في حرب مدمرة ضد روسيا وحرب أخطر على شعوب أوروبا التي دفعت غاليا ثمن عجز حكوماتها على فعل أي شيء لتفادي السقوط المدوي أمام اختبار التاريخ لتتحول أوروبا إلى ساحة حرب تماما مثلما كانت في الحرب العالمية الثانية حين ولد العالم السوفياتي الأمريكي من رحم المأساة الأوروبية.
وأدى إمعان الحكومات في سياسة الهروب إلى الأمام وترحيل الأزمات إلى إغراق أغلب دول الإتحاد الأوروبي في دوامة شراء ديون جديدة لخلاص ديون سابقة بالتوازي مع الإفراط في الضرائب Sur Taxation فقد فرضت الحكومة الألمانية على مواطنيها خمسة ضرائب جديدة منذ قيام الحرب الأكرانية كما تستعد هذه الأيام لتمرير قانون يرفع سن التقاعد إلى 67 عاما فيما اضطرت الحكومة البريطانية إلى حرمان 10 ملايين متقاعد من منحة الشتاء التي كانت تساعدهم على مجابهة تكاليف التدفئة أما فرنسا فقد بيعت عدة مرات بديونها التي تخطت 3300 مليار يورو وفوائد الدين التي زادت في النصف الأول لهذا العام بنحو 65 مليار يورو بسبب ارتفاع مستويات التضخم.
كما فقدت أوروبا الإستقرار السياسي بتساقط الحكومات مثل الذّباب في أعتى الدول وبلغ الإحساس بالذل ذروته مع تفاقم الإبتزاز الأمريكي الذي وصل إلى حد افتكاك ثروات «غرين لاند» رغم أنها أرض أوروبية وإخضاع أوروبا لشروط جدّ مجحفة لتجديد الإتفاق التجاري فقد التزم الإتحاد الأوروبي بشراء أسلحة ومنتوجات طاقة أمريكية بميزانية تجاوزت تريليون يورو؟
وحين تلتقي كل هذه العوامل تفقد الشعوب الأوروبية ثقتها في نخبها الحاكمة وتدرك أن دولها مجرّد مستعمرات نشأت في الواقع بسبب عراقة الوصاية الصهيو أمريكية التي بدأت بمشروع «جورج مارشال» لإعادة بناء أوروبا الخارجة من دمار الحرب الكونية الثانية وتطورت عبر مراحل مترابطة أدركت ذروتها في تسعينات القرن الماضي حين فرضت أمريكا جغرافيا أوروبية جديدة بتقسيم يوغسلافيا إلى دويلات وإنشاء البيروقراطيّة الأوروبية مجسدة في المؤسسات الإتحادية حتى يسهل التحكم في مصير 27 دولة انطلاقا من أروقة بروكسال.
وبسبب ما أفرزته هذه الوصاية من أنظمة كرتونية خرجب أوروبا من سباق المعرفة والتكنولوجيا وهو مالاح جليا إبّان جائحة كوفيد حين احتكرت كل من أمريكا والصين وروسيا السبق في ابتكار التلقيح فيما تقف أوروبا عاجزة أمام المنافسة الآسيوية القوية لاسيما في ميدان الصناعات الميكانيكية لدرجة أن أعتى وأعرق العلامات الألمانية قد يتوقف نشاطها قبل انتهاء عام 2027 .
وفيما تشتد الأزمات الداخلية تعقيدا يتعاظم إحساس الشعوب الأوروبية بالقهر في ظل حكومات تتحدث في كل شيء إلا مشاكل شعوبها وهو ما يعيد إلى الذاكرة حكاية إبنه الملك لويس التي تساءلت «لماذا لا يأكلون الكرواسون» عندما أبلغوها أن الشعب الفرنسي جائع ولا يجد رغيف الخبز.
والإحساس بالقهر هو بداية الطريق نحو الانفجار بوصفه حتمية تاريخية لأزمة وجود عميقة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والثقافية والمعيشية لأن الشعوب الأوروبية اقتلعت من جذورها بسبب إخضاعها لعملية مسخ ثقافي وأخلاقي استمرّت عدة قرون من الزمن وتجسدت بعد الحرب العالمية الثانية في ثنائية الإنبهار بأمريكا والولاء الأعمى لإسرائيل.
وبهذا المقياس لن تنجح الأنظمة الأوروبية في تحويل وجهة الإحتقان الشعبي نحو المهاجرين لأن أزمة المجتمعات الأوروبية أعمق بكثير حيث تتعلق بالأسباب التي أوصلتها إلى مرحلته فقدان القدرة على التجدد وكأنها أخضعت لتطهير عرقي طوعي وصل في بعض المجتمعات الأوروبية إلى حدّ انهيار العائلة التي تمثل الخلية الحيوية للمجتمع.
والواضح أيضا أن أجواء التحرر الوطني التي تخيم على المخاض الإنساني الراهن وأوصلها الشعب الفلسطيني إلى ذروتها بصموده الأسطوري أمام أشنع ممارسات التقتيل والتجويع والتعذيب كانت بمثابة القادح الذي أشعل الإحتقان الأوروبي وأوصله إلى لحظة الإنفجار الذي لا يمكن التكهن بشكله أو مداه لكنه يمثل في كل الحالات بداية دورة تاريخية جديدة في القارة العجوز ستأخذ من الوقت ما تتطلبه استعادة الشعوب الأوروبية لحقها في تقرير المصير.