القصف المصري يفتح ملف السيادة السودانية.. ماذا فعلت الخرطوم لحماية المعدّنين؟
تاريخ النشر : 14:12 - 2026/10/17
بقلم محسن عثمان ( صحفي وإعلامي، مهتم بقضايا حقوق الإنسان وشؤون الشرق الأوسط)
غارتان مصريتان خلال أربعة أشهر تفتحان ملف السيادة السوداني على مناطق التعدين، وتهريب الثروة، وموقف سلطة البرهان من سقوط مواطنيها.
في المناطق التي يبحث فيها السودانيون عن الذهب، لا تنتهي المخاطر عند انهيار الصخور أو تعطل المعدات أو وعورة الطرق. هناك خطر آخر صار أكثر حضوراً: أن يتحول موقع العمل إلى ساحة قصف، وأن يجد المعدّنون أنفسهم بين الموت والفرار، فيما تظل الجهة المسؤولة عن حمايتهم عاجزة عن تقديم إجابات حاسمة بشأن ما جرى.
في جبل العقيدات، قرب منطقة شمال الوادي بولاية البحر الأحمر، لم يكن المعدّنون الذين تعرضوا للغارات الجوية في يونيو وأكتوبر الماضيين طرفاً في حرب السودان، ولا في النزاع الحدودي بين الخرطوم والقاهرة. كانوا، وفق الشهادات الواردة من المنطقة، يعملون في استخراج الذهب، في نشاط يوفر دخلاً لآلاف الأسر، قبل أن تتبدل حياتهم تحت وقع الضربات الجوية.
تكرار الهجمات خلال أربعة أشهر يضع القضية أمام أسئلة تتجاوز عدد القتلى: هل وقعت الضربات داخل الأراضي السودانية؟ وما طبيعة الحملة المصرية وأهدافها؟ ولماذا لم تعلن السلطات السودانية حتى الآن نتائج تحقيق تحسم المسؤولية وتوضح ما اتخذته لحماية المدنيين؟.
هذه الأسئلة تكتسب ثقلاً إضافياً حين توضع في سياق اقتصاد الذهب السوداني، الذي تتداخل فيه أنشطة التعدين الأهلي مع التهريب والحدود غير المحكمة والمصالح التجارية والأمنية. فبينما تعبر الثروة إلى الأسواق الخارجية، يبقى المعدّنون في مواجهة المخاطر، من دون ضمانات واضحة لحمايتهم أو لتعويضهم عندما تقع الكارثة.
خمس ضربات في جبل العقيدات
صباح العاشر من أكتوبر 2026، تعرض موقع للتعدين الأهلي في جبل العقيدات لخمس ضربات جوية متتالية، وفق شهادة ناجٍ نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية. وكان آلاف المعدّنين يعملون في المنطقة، بحسب روايات نقلتها وسائل إعلام، قبل أن يفر الناجون إلى الجبال المحيطة، بعضهم بلا ماء أو مؤن، بينما بقي آخرون تحت الأنقاض أو في عداد المفقودين.
تباينت تقديرات الضحايا بصورة كبيرة. فقد تحدثت منظمة "محامو الطوارئ" عن 72 قتيلاً وفق معلومات أولية، بينما نقلت "بي بي سي" عن شهود أن عدد القتلى تجاوز 60، إلى جانب نحو 150 جريحاً. وقدّر ناجون تحدثوا إلى "سودان تريبيون" عدد القتلى بما لا يقل عن 200، مع فرار أكثر من 15 ألف عامل من المنطقة.
وتتفق هذه الروايات، على اختلاف أرقامها، على أن الهجوم أوقع خسائر بشرية بين المعدّنين. لكن تحديد عدد القتلى والجرحى والمفقودين، وهوية منفذي الغارة، وطبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، يظل رهناً بتحقيق مستقل يتيح الوصول إلى الموقع ومراجعة الشهادات والأدلة.
عشرون أم أربعون كيلومتراً داخل السودان؟
يبدأ جانب أساسي من القضية عند تحديد الموقع الجغرافي للغارات. فالقاهرة تقول إن حملتها العسكرية تستهدف فرض السيادة داخل حدود الدولة المصرية، بينما تشير تقديرات وتقارير إعلامية إلى أن مواقع التعدين المستهدفة تقع جنوب الحدود المصرية، داخل الأراضي السودانية.
في تقرير نشرته "نيويورك تايمز" في 12 أكتوبر، قالت الصحيفة إن المنجم المستهدف يقع في ولاية البحر الأحمر السودانية، على بعد نحو 25 ميلاً من الحدود المصرية، أي قرابة 40 كيلومتراً. لكنها أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة قاطعة من الإحداثيات الدقيقة للغارات. وكانت "الحرة" قد أوردت، في تغطيتها لهجمات يونيو، تقديراً يضع جبل العقيدات على مسافة نحو 20 كيلومتراً داخل السودان.
وتوفر اتفاقية الحدود البريطانية المصرية الموقعة في 19 يناير 1899 مرجعاً أساسياً لهذا النقاش، إذ عرّفت السودان بالأراضي الواقعة جنوب خط عرض 22 درجة شمالاً. كما حددت دراسة الحدود الدولية رقم 18، الصادرة عن المكتب الجغرافي بوزارة الخارجية الأمريكية في 27 يوليو 1962، مسار الحدود بين البلدين على امتداد يقارب 1,275 كيلومتراً، مع استثناءات تاريخية وجغرافية، أبرزها نتوء وادي حلفا.
وبحسب الإحداثيات الواردة لموقع جبل العقيدات ومنجم شمال الوادي، عند 21.82 درجة شمالاً و34.11 درجة شرقاً، يقع الموقع المقدر على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب خط عرض 22 درجة شمالاً. ويعتمد هذا الحساب على أن درجة العرض الواحدة تعادل نحو 111 كيلومتراً.
وتوفر خرائط سلسلة "العالم 1404" البريطانية، التي أوصت بها دراسة الحدود الأمريكية، مرجعاً إضافياً لمراجعة موقع المنطقة، عبر الألواح الشرقية 566-A "الريّس"، و566-D "محمد قول"، و567-C "بئر أبارقة".
القاهرة تعلن حملتها.. والخرطوم تنتظر نتائج التحقيق
عقب الغارة، اتهمت منظمة «محامو الطوارئ» الطيران الحربي المصري باستهداف المعدّنين المدنيين، واعتبرت الهجوم انتهاكاً للقانون الدولي. وعندما سألت "رويترز" مسؤولين أمنيين مصريين عن العملية، لم ينفيا وقوعها، بل بررا الحملة بضرورة إنهاء ما وصفاه بالفوضى الحدودية ومنع مجموعات مصرية وسودانية من السيطرة على مناطق التعدين.
وبعد يومين، أعلن المتحدث العسكري المصري استمرار المرحلة الثالثة من الحملة، مشيراً إلى إلقاء منشورات تحذيرية على من وصفهم بالعناصر الإجرامية. وتمسك البيان بأن العمليات تجري داخل الأراضي المصرية، لكنه لم يتضمن إقراراً صريحاً بتنفيذ الغارة التي أوقعت الضحايا السودانيين.
في المقابل، أعلن البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وأصدر مجلس السيادة بيان تعزية وصف فيه ما جرى بالحادث الأليم، مشيراً إلى التواصل بين قيادتي البلدين.
لكن اللجنة لم تقدم، وفق المعلومات المتاحة، نتائج معلنة تحسم المسؤولية، ولم يتحول موقف الخرطوم إلى مسار واضح للمساءلة بشأن موقع الغارة والجهة المنفذة.
وكان مستشار البرهان، أمجد فريد، قد وصف القصف بأنه جريمة غير مبررة وغير مقبولة، مشيراً إلى إمكان معالجة التجاوزات الحدودية من دون استخدام الطيران الحربي. غير أن هذا الموقف لم يترافق مع إعلان خطوا
بقلم محسن عثمان ( صحفي وإعلامي، مهتم بقضايا حقوق الإنسان وشؤون الشرق الأوسط)
غارتان مصريتان خلال أربعة أشهر تفتحان ملف السيادة السوداني على مناطق التعدين، وتهريب الثروة، وموقف سلطة البرهان من سقوط مواطنيها.
في المناطق التي يبحث فيها السودانيون عن الذهب، لا تنتهي المخاطر عند انهيار الصخور أو تعطل المعدات أو وعورة الطرق. هناك خطر آخر صار أكثر حضوراً: أن يتحول موقع العمل إلى ساحة قصف، وأن يجد المعدّنون أنفسهم بين الموت والفرار، فيما تظل الجهة المسؤولة عن حمايتهم عاجزة عن تقديم إجابات حاسمة بشأن ما جرى.
في جبل العقيدات، قرب منطقة شمال الوادي بولاية البحر الأحمر، لم يكن المعدّنون الذين تعرضوا للغارات الجوية في يونيو وأكتوبر الماضيين طرفاً في حرب السودان، ولا في النزاع الحدودي بين الخرطوم والقاهرة. كانوا، وفق الشهادات الواردة من المنطقة، يعملون في استخراج الذهب، في نشاط يوفر دخلاً لآلاف الأسر، قبل أن تتبدل حياتهم تحت وقع الضربات الجوية.
تكرار الهجمات خلال أربعة أشهر يضع القضية أمام أسئلة تتجاوز عدد القتلى: هل وقعت الضربات داخل الأراضي السودانية؟ وما طبيعة الحملة المصرية وأهدافها؟ ولماذا لم تعلن السلطات السودانية حتى الآن نتائج تحقيق تحسم المسؤولية وتوضح ما اتخذته لحماية المدنيين؟.
هذه الأسئلة تكتسب ثقلاً إضافياً حين توضع في سياق اقتصاد الذهب السوداني، الذي تتداخل فيه أنشطة التعدين الأهلي مع التهريب والحدود غير المحكمة والمصالح التجارية والأمنية. فبينما تعبر الثروة إلى الأسواق الخارجية، يبقى المعدّنون في مواجهة المخاطر، من دون ضمانات واضحة لحمايتهم أو لتعويضهم عندما تقع الكارثة.
خمس ضربات في جبل العقيدات
صباح العاشر من أكتوبر 2026، تعرض موقع للتعدين الأهلي في جبل العقيدات لخمس ضربات جوية متتالية، وفق شهادة ناجٍ نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية. وكان آلاف المعدّنين يعملون في المنطقة، بحسب روايات نقلتها وسائل إعلام، قبل أن يفر الناجون إلى الجبال المحيطة، بعضهم بلا ماء أو مؤن، بينما بقي آخرون تحت الأنقاض أو في عداد المفقودين.
تباينت تقديرات الضحايا بصورة كبيرة. فقد تحدثت منظمة "محامو الطوارئ" عن 72 قتيلاً وفق معلومات أولية، بينما نقلت "بي بي سي" عن شهود أن عدد القتلى تجاوز 60، إلى جانب نحو 150 جريحاً. وقدّر ناجون تحدثوا إلى "سودان تريبيون" عدد القتلى بما لا يقل عن 200، مع فرار أكثر من 15 ألف عامل من المنطقة.
وتتفق هذه الروايات، على اختلاف أرقامها، على أن الهجوم أوقع خسائر بشرية بين المعدّنين. لكن تحديد عدد القتلى والجرحى والمفقودين، وهوية منفذي الغارة، وطبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف، يظل رهناً بتحقيق مستقل يتيح الوصول إلى الموقع ومراجعة الشهادات والأدلة.
عشرون أم أربعون كيلومتراً داخل السودان؟
يبدأ جانب أساسي من القضية عند تحديد الموقع الجغرافي للغارات. فالقاهرة تقول إن حملتها العسكرية تستهدف فرض السيادة داخل حدود الدولة المصرية، بينما تشير تقديرات وتقارير إعلامية إلى أن مواقع التعدين المستهدفة تقع جنوب الحدود المصرية، داخل الأراضي السودانية.
في تقرير نشرته "نيويورك تايمز" في 12 أكتوبر، قالت الصحيفة إن المنجم المستهدف يقع في ولاية البحر الأحمر السودانية، على بعد نحو 25 ميلاً من الحدود المصرية، أي قرابة 40 كيلومتراً. لكنها أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة قاطعة من الإحداثيات الدقيقة للغارات. وكانت "الحرة" قد أوردت، في تغطيتها لهجمات يونيو، تقديراً يضع جبل العقيدات على مسافة نحو 20 كيلومتراً داخل السودان.
وتوفر اتفاقية الحدود البريطانية المصرية الموقعة في 19 يناير 1899 مرجعاً أساسياً لهذا النقاش، إذ عرّفت السودان بالأراضي الواقعة جنوب خط عرض 22 درجة شمالاً. كما حددت دراسة الحدود الدولية رقم 18، الصادرة عن المكتب الجغرافي بوزارة الخارجية الأمريكية في 27 يوليو 1962، مسار الحدود بين البلدين على امتداد يقارب 1,275 كيلومتراً، مع استثناءات تاريخية وجغرافية، أبرزها نتوء وادي حلفا.
وبحسب الإحداثيات الواردة لموقع جبل العقيدات ومنجم شمال الوادي، عند 21.82 درجة شمالاً و34.11 درجة شرقاً، يقع الموقع المقدر على بعد نحو 20 كيلومتراً جنوب خط عرض 22 درجة شمالاً. ويعتمد هذا الحساب على أن درجة العرض الواحدة تعادل نحو 111 كيلومتراً.
وتوفر خرائط سلسلة "العالم 1404" البريطانية، التي أوصت بها دراسة الحدود الأمريكية، مرجعاً إضافياً لمراجعة موقع المنطقة، عبر الألواح الشرقية 566-A "الريّس"، و566-D "محمد قول"، و567-C "بئر أبارقة".
القاهرة تعلن حملتها.. والخرطوم تنتظر نتائج التحقيق
عقب الغارة، اتهمت منظمة «محامو الطوارئ» الطيران الحربي المصري باستهداف المعدّنين المدنيين، واعتبرت الهجوم انتهاكاً للقانون الدولي. وعندما سألت "رويترز" مسؤولين أمنيين مصريين عن العملية، لم ينفيا وقوعها، بل بررا الحملة بضرورة إنهاء ما وصفاه بالفوضى الحدودية ومنع مجموعات مصرية وسودانية من السيطرة على مناطق التعدين.
وبعد يومين، أعلن المتحدث العسكري المصري استمرار المرحلة الثالثة من الحملة، مشيراً إلى إلقاء منشورات تحذيرية على من وصفهم بالعناصر الإجرامية. وتمسك البيان بأن العمليات تجري داخل الأراضي المصرية، لكنه لم يتضمن إقراراً صريحاً بتنفيذ الغارة التي أوقعت الضحايا السودانيين.
في المقابل، أعلن البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وأصدر مجلس السيادة بيان تعزية وصف فيه ما جرى بالحادث الأليم، مشيراً إلى التواصل بين قيادتي البلدين.
لكن اللجنة لم تقدم، وفق المعلومات المتاحة، نتائج معلنة تحسم المسؤولية، ولم يتحول موقف الخرطوم إلى مسار واضح للمساءلة بشأن موقع الغارة والجهة المنفذة.
وكان مستشار البرهان، أمجد فريد، قد وصف القصف بأنه جريمة غير مبررة وغير مقبولة، مشيراً إلى إمكان معالجة التجاوزات الحدودية من دون استخدام الطيران الحربي. غير أن هذا الموقف لم يترافق مع إعلان خطوا