السعودية بين "التشدد" وفشل "التحالفات".. النفوذ يتحول إلى عبء والمنطقة تُدار بلا رؤية للسلام

السعودية بين "التشدد" وفشل "التحالفات".. النفوذ يتحول إلى عبء والمنطقة تُدار بلا رؤية للسلام

تاريخ النشر : 11:55 - 2026/02/01


في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة التحالفات، وتُختبر فيها مفاهيم السلام والبراغماتية، تبدو السعودية عالقة في نموذج قديم لإدارة النفوذ: تشدد لفظي بلا أدوات، تحالفات مؤقتة بلا استدامة، وقضية فلسطينية تُستخدم كورقة ضغط لا كمشروع تحرر. هذا النموذج لا يعرقل فرص السلام فحسب، بل يكشف عن أزمة أعمق في الرؤية الاستراتيجية السعودية، حيث يُستبدل التخطيط طويل الأمد بردود فعل آنية، وتُدار الملفات الكبرى بمنطق التعطيل لا الحل.
في ملف التطبيع، ترفع الرياض سقف الخطاب إلى أقصاه: “لا تطبيع بلا دولة فلسطينية”. غير أن هذا الشعار، رغم جاذبيته الأخلاقية، يبقى فارغًا من أي مضمون عملي. فلا خريطة طريق لتحقيق الدولة، ولا جدولًا زمنيًا، ولا أدوات ضغط حقيقية تُفرض على إسرائيل. يتحول الخطاب إلى غاية بحد ذاته، يُستخدم لتكريس صورة أخلاقية متشددة، بينما الواقع على الأرض يزداد سوءًا للفلسطينيين. هنا لا تبدو السعودية مدافعة عن الحقوق، بل حارسة للجمود. فالتشدد اللفظي، حين يكون بلا آليات تنفيذ، لا يخدم سوى استمرار الاحتلال.


في المقابل، كشفت الاتفاقات الإبراهيمية—بغضّ النظر عن الجدل الأخلاقي والسياسي حولها—أن التطبيع يمكن أن يكون أداة لإعادة تشكيل التوازنات، وفتح قنوات تأثير مباشرة، وفرض حسابات جديدة على إسرائيل. الدول التي سلكت هذا المسار لم تفعل ذلك بدافع المثالية، بل انطلاقًا من منطق المصالح والضغط التدريجي. السعودية، بدل مناقشة هذا المسار أو تقديم بديل أكثر فاعلية، رأت فيه تهديدًا لدورها التقليدي، فاختارت شيطنته، مستخدمة فلسطين كسلاح سياسي، لا كقضية شعب يحتاج إلى أدوات تغيّر واقعه.
هذا النمط لا يقتصر على التطبيع، بل ينسحب على إدارة السعودية لتحالفاتها الإقليمية. التجربة اليمنية تمثل المثال الأوضح. فبدل بناء تحالف مستدام قائم على رؤية سياسية واضحة، أُدير الملف بسلسلة قرارات عسكرية وأمنية متخبطة، أدت إلى استنزاف طويل، وفراغات أمنية، وتصدعات حادة مع الحلفاء. الخلاف مع الإمارات حول إدارة الجنوب، وتباين المقاربات الأمنية والسياسية، كشف هشاشة ما وُصف يومًا بـ“التحالف الاستراتيجي”، وأكد أن غياب الرؤية المشتركة يحوّل التحالفات من رصيد إلى عبء.
العلاقة السعودية–الإماراتية ليست استثناءً، بل نموذجًا متكررًا. فمن الخليج إلى واشنطن، ومن ملفات الطاقة إلى السياسة الإقليمية، يظهر نمط واحد: تحالفات تُبنى عند الحاجة، ثم تُهمَل أو تُقوَّض عند أول اختلاف في المصالح. في عهد محمد بن سلمان، دخلت الرياض في صدامات سياسية مع كندا، وتوترات علنية مع إدارة بايدن، وإعادة تموضع متقلبة في العراق واليمن والخليج. النتيجة لم تكن تعزيز النفوذ، بل تآكل الثقة، وتحويل السعودية إلى شريك يُنظر إليه بوصفه غير قابل للتنبؤ.
الخطاب المتشدد يلعب دورًا مركزيًا في هذا الفشل. فبدل أن يكون أداة تفاوض محسوبة، يُستخدم كوسيلة لإرضاء الداخل وتحصين الصورة، ولو على حساب الاستقرار الإقليمي. في فلسطين، يُستَخدم لتعليق أي مسار عملي. في التحالفات، يُستَخدم لتبرير قرارات أحادية. وفي كل مرة، تكون الحصيلة واحدة: خسارة الثقة، وتكريس الأزمات، وإضعاف القدرة على التأثير الحقيقي.
الأخطر أن هذا النهج لا يضر بالحلفاء فقط، بل يرتد على السعودية نفسها. فالدول لا تبني شراكات طويلة الأمد مع طرف يبدّل مواقفه وفق المزاج السياسي، أو يستخدم القضايا الكبرى كورقة مساومة ظرفية. التحالفات الفاعلة تحتاج إلى رؤية مشتركة، ومصالح متوازنة، وقدرة على إدارة الخلافات، لا إلى تشدد إعلامي وقرارات انفعالية. ما نراه اليوم هو العكس تمامًا: تشدد بلا استراتيجية، ونفوذ بلا بوصلة.
في هذا السياق، تتحول فلسطين إلى الضحية الأوضح. فبدل توظيف النفوذ السعودي لفرض كلفة حقيقية على الاحتلال، تُستخدم القضية كدرع خطابي يمنع أي مقاربة جديدة. لا سلام يُفرض، ولا مقاومة تُدعَم فعليًا، بل حالة انتظار مفتوحة تخدم إسرائيل وحدها. هذا ليس فشلًا أخلاقيًا فقط، بل فشل سياسي مكتمل الأركان.
الخلاصة أن أزمة السعودية ليست في نقص القوة أو الموارد، بل في غياب الرؤية. التطبيع عُطِّل بلا بديل، التحالفات بُنيت بلا استدامة، والخطاب المتشدد حلّ محل السياسة الفعلية. وفي منطقة لا تحتمل الفراغ، يقود هذا النهج إلى نتيجة واحدة: مزيد من الفوضى، وتآكل الدور، وتأجيل السلام إلى أجل غير مسمى.
إذا أرادت السعودية أن تكون قوة استقرار حقيقية، فعليها أن تختار بوضوح: إما الاستمرار في إدارة النفوذ بمنطق التشدد والتعطيل، أو الانتقال إلى سياسة ناضجة تحوّل القوة إلى حلول، والتحالفات إلى شراكات، وفلسطين من ورقة ضغط إلى قضية تُدار بأدوات تُقرب السلام بدل دفنه تحت الشعارات. ما عدا ذلك، لن يكون سوى إعادة إنتاج لفشلٍ تتكلفه المنطقة بأكملها.

تعليقات الفيسبوك

في نفس السياق

ضربت هزة أرضية بقوة 5.2 درجة على مقياس ريختر مدينة عسلويه في محافظة بوشهر جنوب إيران صباح اليوم ا
11:16 - 2026/02/01
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن الولايات المتحدة سترد بشكل قوي إذا مضت كندا قدمًا في الاتفاق
09:53 - 2026/02/01
أفادت وسائل إعلام تابعة للكيان المحتل صباح اليوم الأحد انه تمت إعادة فتح معبر رفح بشكل تجريبي على
09:47 - 2026/02/01
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد، إن إيران تتفاوض بجدية مع الولايات المتحدة.
08:33 - 2026/02/01
ردت إيران، الأحد، على تصنيف الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري منظمة إرهابية، بتصنيف الجيوش الأوروبية
08:26 - 2026/02/01
جزمت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، في سياق بيان جديد صادر عنها مؤخراً، بأن ما يحدث في
07:00 - 2026/02/01
لوقتٍ طويل، ساد الاعتقاد بأن النظام الدولي تحكمه القواعد، وتضبطه المؤسسات، وتحميه التحالفات.
07:00 - 2026/02/01
مع تصاعد التوتر بين امريكا وإيران ، يبدو ان شبح الحرب بات يقترب شيئا فشيئا خاصة بعد ان كشفت مصادر
07:00 - 2026/02/01