مع الشروق : شمس تونس.. كنز مهدور
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/29
مع بداية العمل بنظام الحصة الواحدة بعد غد الاربعاء، تدخل تونس من جديد موسم الاختبار الحقيقي لشبكتها الكهربائية ، ففي الوقت الذي تتقلص فيه ساعات العمل الإداري، يرتفع استهلاك الكهرباء إلى أعلى مستوياته، وتبدأ أجهزة التكييف في البيوت والإدارات والمستشفيات والنزل في العمل لساعات طويلة لتختبر قدرة البلاد على توفير الطاقة دون انقطاع أو اضطراب.
أجهزة التكييف المعلقة في كل البناءات تقريبا أصبحت اللاعب الأول في استهلاك الكهرباء خلال فصل الصيف، إذ تشير الدراسات إلى أن عددها يتجاوز الـ 2.7 مليون لتستهلك لوحدها اكثر من 50 بالمائة من الطاقة الكهربائية في فترة الذروة صيفا.
في تونس ، لا تكاد تخلو إدارة أو مؤسسة عمومية أو مستشفى أو مسجد أو نزل من أجهزة التكييف الضخمة كما أصبح امتلاك مكيف هواء واحد على الأقل أمرا شبه عادي في أغلب المنازل التونسية ( 50 بالمائة من العائلات تمتلك جهازا واحدا على الأقل ) ،وهذا حق طبيعي، فلا أحد يطالب المواطن بالتخلي عن وسائل الراحة في صيف تتجاوز فيه الحرارة أحيانا الأربعين درجة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تواصل الدولة استهلاك الكهرباء بالطريقة نفسها بينما تظل أسطح آلاف المباني العمومية فارغة تحت شمس من أقوى "شموس" العالم؟...أليست كل وزارة، وكل ولاية ومعتمدية ، وكل مستشفى، وكل مؤسسة تربوية ومؤسسة عمومية مؤهلة لتصبح محطة صغيرة لإنتاج الكهرباء؟ وأليس من الأجدى أن تنتج الإدارة جزءا كبيرا من الطاقة التي تستهلكها بدل أن تضيف يوميا عبئا جديدا على الشبكة الوطنية للكهرباء والغاز؟.
إن تعميم الطاقة الشمسية اليوم على المباني العمومية لم يعد ترفا بيئيا ولا شعارا أخضر ، بل أصبح ضرورة اقتصادية وأمنا "طاقيا" حارقا ، فكل "كيلوواط " من الكهرباء تنتجه المؤسسة فوق سطحها هو" كيلوواط" أقل تضطر الدولة إلى إنتاجه بالغاز أو استيراده بالعملة الصعبة التي تستنزف ميزانيتنا حماية لاقتصادنا الوطني من ارتدادات الطفرات الجنونية لأسعار الطاقة في الأسواق العالمية التي لا ترحم الدول المستهلكة.
قد تكون كلفة تركيب المعدات مرتفعة في البداية، لكنها تبقى استثمارا طويل الأمد وسياديا بامتياز يخفف فاتورة الكهرباء ويقلل الضغط على الشبكة، ويحد من الانقطاعات التي تتكرر كل صيف ، كما يمنح الدولة مثالا عمليا يحتذى قبل أن تطلب من المواطن الانخراط في الانتقال الطاقي.
فمع ضرورة ترشيد الاستهلاك في المؤسسات العمومية التي لا يرحم بعض موظفيها الطاقة ، يمكن القول انه آن الأوان لقرار وطني جريء ومتكامل: كل مبنى عمومي جديد يجب أن يولد بالطاقة الشمسية، وكل مبنى قائم يوضع له برنامج زمني ملزم للتجهيز بالألواح الشمسية.. وبالتوازي مع ذلك، وجب تشجيع المواطن على تركيزها عبر تبسيط المعاملات الإدارية، وتذليل العقبات البيروقراطية التي تواجه الراغبين في الربط بالشبكة الوطنية وتوليد طاقتهم ذاتيا، مع توفير قروض ميسرة وحوافز مادية حقيقية تجعل من هذا الانتقال الطاقي خيارا شعبيا ومتاحا لكل العائلات التونسية على اختلاف دخلها.
فالشمس التي تحرقنا كل صيف، يمكن أن تتحول إلى أكبر حليف اقتصادي واستراتيجي لنا، إذا أحسنّا استثمارها بدل الاكتفاء بالشكوى من حرها !.
راشد شعور
مع بداية العمل بنظام الحصة الواحدة بعد غد الاربعاء، تدخل تونس من جديد موسم الاختبار الحقيقي لشبكتها الكهربائية ، ففي الوقت الذي تتقلص فيه ساعات العمل الإداري، يرتفع استهلاك الكهرباء إلى أعلى مستوياته، وتبدأ أجهزة التكييف في البيوت والإدارات والمستشفيات والنزل في العمل لساعات طويلة لتختبر قدرة البلاد على توفير الطاقة دون انقطاع أو اضطراب.
أجهزة التكييف المعلقة في كل البناءات تقريبا أصبحت اللاعب الأول في استهلاك الكهرباء خلال فصل الصيف، إذ تشير الدراسات إلى أن عددها يتجاوز الـ 2.7 مليون لتستهلك لوحدها اكثر من 50 بالمائة من الطاقة الكهربائية في فترة الذروة صيفا.
في تونس ، لا تكاد تخلو إدارة أو مؤسسة عمومية أو مستشفى أو مسجد أو نزل من أجهزة التكييف الضخمة كما أصبح امتلاك مكيف هواء واحد على الأقل أمرا شبه عادي في أغلب المنازل التونسية ( 50 بالمائة من العائلات تمتلك جهازا واحدا على الأقل ) ،وهذا حق طبيعي، فلا أحد يطالب المواطن بالتخلي عن وسائل الراحة في صيف تتجاوز فيه الحرارة أحيانا الأربعين درجة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تواصل الدولة استهلاك الكهرباء بالطريقة نفسها بينما تظل أسطح آلاف المباني العمومية فارغة تحت شمس من أقوى "شموس" العالم؟...أليست كل وزارة، وكل ولاية ومعتمدية ، وكل مستشفى، وكل مؤسسة تربوية ومؤسسة عمومية مؤهلة لتصبح محطة صغيرة لإنتاج الكهرباء؟ وأليس من الأجدى أن تنتج الإدارة جزءا كبيرا من الطاقة التي تستهلكها بدل أن تضيف يوميا عبئا جديدا على الشبكة الوطنية للكهرباء والغاز؟.
إن تعميم الطاقة الشمسية اليوم على المباني العمومية لم يعد ترفا بيئيا ولا شعارا أخضر ، بل أصبح ضرورة اقتصادية وأمنا "طاقيا" حارقا ، فكل "كيلوواط " من الكهرباء تنتجه المؤسسة فوق سطحها هو" كيلوواط" أقل تضطر الدولة إلى إنتاجه بالغاز أو استيراده بالعملة الصعبة التي تستنزف ميزانيتنا حماية لاقتصادنا الوطني من ارتدادات الطفرات الجنونية لأسعار الطاقة في الأسواق العالمية التي لا ترحم الدول المستهلكة.
قد تكون كلفة تركيب المعدات مرتفعة في البداية، لكنها تبقى استثمارا طويل الأمد وسياديا بامتياز يخفف فاتورة الكهرباء ويقلل الضغط على الشبكة، ويحد من الانقطاعات التي تتكرر كل صيف ، كما يمنح الدولة مثالا عمليا يحتذى قبل أن تطلب من المواطن الانخراط في الانتقال الطاقي.
فمع ضرورة ترشيد الاستهلاك في المؤسسات العمومية التي لا يرحم بعض موظفيها الطاقة ، يمكن القول انه آن الأوان لقرار وطني جريء ومتكامل: كل مبنى عمومي جديد يجب أن يولد بالطاقة الشمسية، وكل مبنى قائم يوضع له برنامج زمني ملزم للتجهيز بالألواح الشمسية.. وبالتوازي مع ذلك، وجب تشجيع المواطن على تركيزها عبر تبسيط المعاملات الإدارية، وتذليل العقبات البيروقراطية التي تواجه الراغبين في الربط بالشبكة الوطنية وتوليد طاقتهم ذاتيا، مع توفير قروض ميسرة وحوافز مادية حقيقية تجعل من هذا الانتقال الطاقي خيارا شعبيا ومتاحا لكل العائلات التونسية على اختلاف دخلها.
فالشمس التي تحرقنا كل صيف، يمكن أن تتحول إلى أكبر حليف اقتصادي واستراتيجي لنا، إذا أحسنّا استثمارها بدل الاكتفاء بالشكوى من حرها !.
راشد شعور