مع الشروق : من ترامب الى نتنياهو...غزة تهزّ عروش الطغاة

مع الشروق : من ترامب الى نتنياهو...غزة تهزّ عروش الطغاة

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/11/07

لم يكن يوما في حسابات مجرم الحرب نتنياهو أن الحرب التي شنها على غزة ستتحوّل إلى معركة تتجاوز حدود فلسطين، ولا أن الصور التي أرادها دليلا على قوة الكيان الصهيوني ستصبح، مع مرور الوقت، من أكثر العوامل التي كشفت عزلته وألحقت الضرر بصورته في العالم.
ولم يكن دونالد ترامب يتوقع، وهو يمنح حكومة نتنياهو الغطاء السياسي والعسكري، أن تتحول غزة إلى قضية حاضرة في الحسابات الانتخابية الأمريكية، وأن يجد حزبه نفسه أمام ارتدادات سياسية كشفتها صناديق الاقتراع في انتخابات الثالث من نوفمبر 2026.
ما حدث في الولايات المتحدة يتجاوز الأرقام والمقاعد ، فاستعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي الكونغرس شكلت انتكاسة انتخابية كبيرة لترامب، فيما حمل فوز عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان دلالة سياسية وتاريخية لافتة، باعتباره أول مسلم يصل إلى هذا المجلس. ولم يكن الرجل يخفي انتقاده للدعم العسكري الأمريكي للكيان الصهيوني، كما أن فوز الطبيب آدم حماوي بمقعد في مجلس النواب عن نيوجيرسي، وهو الذي عمل جراحا إنسانيا في غزة، أضاف بعدا آخر لهذا التحول.
ولا يمكن اختزال نتائج الانتخابات الأمريكية في موقف الناخبين من غزة وحده، فهناك الاقتصاد والتضخم والحرب مع إيران وأداء الإدارة، لكن لا يمكن أيضا تجاهل أن فلسطين أصبحت جزءا من النقاش الانتخابي، وأن الأصوات المنتقدة لسياسة واشنطن تجاه الكيان الصهيوني باتت قادرة على الوصول إلى المؤسسات التشريعية...
وفي أوروبا، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، لكنها لا تقل دلالة. فالقارة التي ظلت حكومات رئيسية فيها توفر الغطاء السياسي لاحتلال الاسرائيلي، تشهد اتساعا في الفجوة بين المواقف الرسمية وقطاعات واسعة من شعوبها. وقد انعكس ذلك في النقاشات البرلمانية، وفي الضغوط المطالبة بمراجعة اتفاقيات الشراكة والتعاون مع الكيان الصهيوني، وفي مطالب تعليق بعض أوجه التعاون التجاري والعسكري، فضلا عن تزايد الدعوات إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في غزة. كما كشفت الانتخابات الأوروبية عن مشهد سياسي أكثر تشتتا واستقطابا، وإن لم تكن نتائجها قابلة للاختزال في قضية فلسطين وحدها.
هنا تحديدا تتجلّى أهمية ما فعلته غزة. فالحرب التي أرادها نتنياهو وسيلة لإنهاء القضية الفلسطينية تحولت إلى قضية تلاحق حكومته في المحافل الدولية، وتلاحق حلفاءه في الجامعات والبرلمانات وصناديق الاقتراع. وترامب الذي تعامل مع الدعم المطلق للكيان الصهيوني باعتباره خيارا سياسيا لا ثمن له، وجد أن هذا الخيار أصبح موضع مساءلة داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
لم تسقط غزة نتنياهو وترامب بالمعنى الحرفي، ولم تنه نفوذ الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني، لكنها أسقطت شيئا كان يبدو أكثر رسوخا، وهو الاعتقاد بأن القوة والمال والإعلام تستطيع جميعها التحكم في ضمير الشعوب وتحديد مواقفها إلى الأبد.
لقد انتقلت المعركة من شوارع غزة إلى شوارع العالم، ومن صور الضحايا إلى صناديق الاقتراع، ومن احتجاجات الطلاب إلى مداولات البرلمانات. وهذه ليست مجرد ارتدادات لحرب، بل بداية تحوّل في العلاقة بين الشعوب والحكومات، وبين المصالح السياسية والقيم الإنسانية.
غزة لم تعد تنتظر من العالم أن يتحدث عنها، فقد أصبحت هي التي تفرض على العالم أن يتحدث عن نفسه، وعن تناقضاته، وعن مستقبل نظام دولي باتت مصداقيته موضع اختبار. ومن هنا ربما تكمن المفارقة الأكبر في هذه الحرب، أن مدينة أرادوا إخراجها من الجغرافيا السياسية للعالم، أصبحت عاملا في تغيير خرائطه السياسية والأخلاقية.
ناجح بن جدو
 

تعليقات الفيسبوك