مع الشروق : لماذا تأتي التوضيحات بعد الجدل ؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/15
مرة أخرى، يتأجج الجدل حول صورة تداولها "الفايسبوك" في الأيام الأخيرة، توثّق اقتلاع شجرة من مكانها في أحد شوارع العاصمة. وما إن انتشرت الصورة حتى تدفقت التعليقات والأسئلة حول أسباب قطعها، ومن وراء اتخاذ القرار، وهل كان اقتلاعها الإجراء الصائب، أم أنه يهدد بتشويه جمالية العاصمة؟
وبعد اندلاع الجدل، أطلت بلدية تونس على الجميع بتوضيح رسمي يشرح أسباب ما حدث، مفاده أن الشجرة شاخت وجفّت وأصبحت تهدد سلامة المارة بالسقوط في أي لحظة، مع وعد بغرس شجرة فتية مكانها.
قد يكون التوضيح مقنعا، و الأسباب وجيهة تجعل القرار المتخذ يأخذ فعلا بعين الاعتبار سلامة المواطنين. لكن ذلك يجعل غياب التوضيحات من الأطراف الرسمية إلا بعد إثارة الجدل مسألة أكبر من الشجرة نفسها، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا تأتي التوضيحات بعد الجدل؟ ولماذا لم تتولد لدى مؤسساتنا الرسمية بعدُ ثقافة مخاطبة الرأي العام والتواصل معه في كل ما من شأنه أن يحدث ضجة أو يسحب أبسط الأمور إلى فوضى التأويل؟
إن حادثة الشجرة ليست إلا قطرة من غيث. فالمواطن يواجه يوميا عديد المواقف والأحداث والتجاوزات، ويطرح الأسئلة، ويلتقط النقائص والإخلالات وأوجه التقصير، ويسجل وينشر ويسأل. والهاتف الدرافقه باستمرار جعله شاهدا فوريا على ما يحدث في الشارع والحي والمؤسسة والفضاء العام. ولم يعد ينتظر دائما أن تصله المعلومة عبر القنوات التقليدية.
وهذا التحول لا يمكن اعتباره مشكلة، كما لا يمكن اعتبار كل مواطن يبحث عن إجابة أو يصور واقعة معينة مشككا أو باحثا عن الإثارة أو يحمل غاية في نفس يعقوب . بل إن ما يفعله تعبير طبيعي عن حقه في المعلومة، وفي معرفة ما يحدث حوله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفضاء مشترك يعيش فيه أو بقرار يمس حياته ومعيشه اليومي.
إذ عندما تغيب المعلومة من مصدرها، فإنها تترك الساحة مفتوحة لكل الروايات، وتُحدث فراغا معلوماتيا سرعان ما تملؤه التخمينات والتأويلات والإشاعة. ليتحول مجرد السؤال المشروع، في غياب إجابة رسمية، إلى روايات متضاربة و"حقائق" تنتشر انتشار النار في الهشيم بين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، دون أن يعرف أحد مصدرها. وهنا تكمن خطورة الأمر.
فالفضاء الافتراضي يعتبر فضاء واسعا للأخذ والرد والنقاش والبحث عن المعلومة وطلب التدخل والتعجيل به، لكنه ليس دائما فضاء محايدا ولا بريئا. إذ يضم من مستعمليه من يسأل، ومن يبحث عن الحقيقة، ومن يوظف المعلومة أو الصورة، ومن يستغل غيابها لخدمة موقف أو تصفية حساب أو صناعة بلبلة. وبذلك، فكلما تأخرت الإجابة الرسمية، اتسعت المساحة أمام هذا النوع من التوظيف، واتسعت رقعة الزيت.
لذلك، فإن قرار اقتلاع الشجرة الهرمة، حتى وإن كان ضروريا لدواعٍ تتعلق بالسلامة، فإن انفراد الإدارة بالقرار والرأي دون سابق توضيح أو إعلام خلق فجوة بينها وبين المواطن، سرعان ما تحول إلى جدل كبير وتأويلات،
فكم من واقعة تنطلق من صورة أو تدوينة، ثم تتضخم وتخلق فوضى افتراضية لأن المؤسسة المعنية لم تتحدث في الوقت المناسب، أو اختارت الصمت، أو اكتفت بتوضيح جاء متأخرا وضبابيا، بعد أن تكون الإشاعة قد انتشرت وفعلت فعلها لدى القاصي والداني. ذلك أن تأخير التوضيح، أو غيابه، يدخل في إطار الصمت المؤسساتي الذي يمنح المعلومة غير الموثوقة فرصة أكبر للانتشار والتداول والركوب على الحدث.
هذا ما يجعل ثقافة المصارحة والتوضيح المبكر واستباق ضغط "الفايسبوك" مسؤولية لحماية المواطن من الوقوع في فخ الروايات المتضاربة، وحماية المؤسسة نفسها من التشويش والاستهداف والوقوع في أزمة ثقة قد تحتاج إلى جهد كبير لتداركها ومعالجتها.
وهذا لا يعني أن يصبح "الفايسبوك"شريكا في صناعة القرار أو وسيلة للضغط، لكن من حق المواطن أيضا أن تصله المعلومة من مصدرها عندما يكون في حاجة إليها، وأن تتدخل الجهة المعنية وتستبق الأزمة وتهيئ أرضية لتقبّل القرار والتفاعل معه قبل أن يدخل منطقة الجدل ويكبر حجمه.
إننا اليوم في قلب سرعة تدفق المعلومة، بل في ذروة انتشارها وبلوغها آلاف الناس في ثوانٍ، وهذا ما لا يؤخذ بالتلكؤ والتأجيل وبيروقراطية الرد الإداري و"إتيكيت" الردود الرسمية، أو بالتغاضي وتجاهل الأمر. فسرعة المعلومة تحتاج إلى سرعة في الرد الرسمي، وإلى رد متين بالحجة المقنعة، لغلق باب الإشاعة والبلبلة وسد الطريق أمام المتصيدين في المياه العكرة.
لهذا، فإن حادثة الشجرة ما هي إلا واجهة ضبابية لمشكلة أوسع لم تتعلم فيها الإدارة بعدُ من أخطائها الاتصالية السابقة. وهو ما يطرح ضرورة تغيير عقلية الصمت والهروب لدى مؤسساتنا، لأن المواطن، أمام وسائل الاتصال المفتوحة والإنترنت المتدفقة في كل مكان والهواتف المتطورة، لم يعد يكتفي بأن يرى ما يحدث أمام عينيه دون أن يتفاعل معه، كما لم يعد يقبل أن يكون خارج دائرة القرار عندما يتعلق الأمر بما يمس فضاءه العام وحياته اليومية.
وحتى لا يبحث عن الإجابة خارج مصادرها المعنية، من الضروري تحقيق قدر ممكن من الثقة بين المواطن ومسؤوليه، حتى لا يُترك فريسة للتأويل والاتهام، وحتى لا يتحول غياب المعلومة إلى مادة جاهزة للإشاعة والبلبلة.
وحيدة المي
مرة أخرى، يتأجج الجدل حول صورة تداولها "الفايسبوك" في الأيام الأخيرة، توثّق اقتلاع شجرة من مكانها في أحد شوارع العاصمة. وما إن انتشرت الصورة حتى تدفقت التعليقات والأسئلة حول أسباب قطعها، ومن وراء اتخاذ القرار، وهل كان اقتلاعها الإجراء الصائب، أم أنه يهدد بتشويه جمالية العاصمة؟
وبعد اندلاع الجدل، أطلت بلدية تونس على الجميع بتوضيح رسمي يشرح أسباب ما حدث، مفاده أن الشجرة شاخت وجفّت وأصبحت تهدد سلامة المارة بالسقوط في أي لحظة، مع وعد بغرس شجرة فتية مكانها.
قد يكون التوضيح مقنعا، و الأسباب وجيهة تجعل القرار المتخذ يأخذ فعلا بعين الاعتبار سلامة المواطنين. لكن ذلك يجعل غياب التوضيحات من الأطراف الرسمية إلا بعد إثارة الجدل مسألة أكبر من الشجرة نفسها، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: لماذا تأتي التوضيحات بعد الجدل؟ ولماذا لم تتولد لدى مؤسساتنا الرسمية بعدُ ثقافة مخاطبة الرأي العام والتواصل معه في كل ما من شأنه أن يحدث ضجة أو يسحب أبسط الأمور إلى فوضى التأويل؟
إن حادثة الشجرة ليست إلا قطرة من غيث. فالمواطن يواجه يوميا عديد المواقف والأحداث والتجاوزات، ويطرح الأسئلة، ويلتقط النقائص والإخلالات وأوجه التقصير، ويسجل وينشر ويسأل. والهاتف الدرافقه باستمرار جعله شاهدا فوريا على ما يحدث في الشارع والحي والمؤسسة والفضاء العام. ولم يعد ينتظر دائما أن تصله المعلومة عبر القنوات التقليدية.
وهذا التحول لا يمكن اعتباره مشكلة، كما لا يمكن اعتبار كل مواطن يبحث عن إجابة أو يصور واقعة معينة مشككا أو باحثا عن الإثارة أو يحمل غاية في نفس يعقوب . بل إن ما يفعله تعبير طبيعي عن حقه في المعلومة، وفي معرفة ما يحدث حوله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفضاء مشترك يعيش فيه أو بقرار يمس حياته ومعيشه اليومي.
إذ عندما تغيب المعلومة من مصدرها، فإنها تترك الساحة مفتوحة لكل الروايات، وتُحدث فراغا معلوماتيا سرعان ما تملؤه التخمينات والتأويلات والإشاعة. ليتحول مجرد السؤال المشروع، في غياب إجابة رسمية، إلى روايات متضاربة و"حقائق" تنتشر انتشار النار في الهشيم بين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، دون أن يعرف أحد مصدرها. وهنا تكمن خطورة الأمر.
فالفضاء الافتراضي يعتبر فضاء واسعا للأخذ والرد والنقاش والبحث عن المعلومة وطلب التدخل والتعجيل به، لكنه ليس دائما فضاء محايدا ولا بريئا. إذ يضم من مستعمليه من يسأل، ومن يبحث عن الحقيقة، ومن يوظف المعلومة أو الصورة، ومن يستغل غيابها لخدمة موقف أو تصفية حساب أو صناعة بلبلة. وبذلك، فكلما تأخرت الإجابة الرسمية، اتسعت المساحة أمام هذا النوع من التوظيف، واتسعت رقعة الزيت.
لذلك، فإن قرار اقتلاع الشجرة الهرمة، حتى وإن كان ضروريا لدواعٍ تتعلق بالسلامة، فإن انفراد الإدارة بالقرار والرأي دون سابق توضيح أو إعلام خلق فجوة بينها وبين المواطن، سرعان ما تحول إلى جدل كبير وتأويلات،
فكم من واقعة تنطلق من صورة أو تدوينة، ثم تتضخم وتخلق فوضى افتراضية لأن المؤسسة المعنية لم تتحدث في الوقت المناسب، أو اختارت الصمت، أو اكتفت بتوضيح جاء متأخرا وضبابيا، بعد أن تكون الإشاعة قد انتشرت وفعلت فعلها لدى القاصي والداني. ذلك أن تأخير التوضيح، أو غيابه، يدخل في إطار الصمت المؤسساتي الذي يمنح المعلومة غير الموثوقة فرصة أكبر للانتشار والتداول والركوب على الحدث.
هذا ما يجعل ثقافة المصارحة والتوضيح المبكر واستباق ضغط "الفايسبوك" مسؤولية لحماية المواطن من الوقوع في فخ الروايات المتضاربة، وحماية المؤسسة نفسها من التشويش والاستهداف والوقوع في أزمة ثقة قد تحتاج إلى جهد كبير لتداركها ومعالجتها.
وهذا لا يعني أن يصبح "الفايسبوك"شريكا في صناعة القرار أو وسيلة للضغط، لكن من حق المواطن أيضا أن تصله المعلومة من مصدرها عندما يكون في حاجة إليها، وأن تتدخل الجهة المعنية وتستبق الأزمة وتهيئ أرضية لتقبّل القرار والتفاعل معه قبل أن يدخل منطقة الجدل ويكبر حجمه.
إننا اليوم في قلب سرعة تدفق المعلومة، بل في ذروة انتشارها وبلوغها آلاف الناس في ثوانٍ، وهذا ما لا يؤخذ بالتلكؤ والتأجيل وبيروقراطية الرد الإداري و"إتيكيت" الردود الرسمية، أو بالتغاضي وتجاهل الأمر. فسرعة المعلومة تحتاج إلى سرعة في الرد الرسمي، وإلى رد متين بالحجة المقنعة، لغلق باب الإشاعة والبلبلة وسد الطريق أمام المتصيدين في المياه العكرة.
لهذا، فإن حادثة الشجرة ما هي إلا واجهة ضبابية لمشكلة أوسع لم تتعلم فيها الإدارة بعدُ من أخطائها الاتصالية السابقة. وهو ما يطرح ضرورة تغيير عقلية الصمت والهروب لدى مؤسساتنا، لأن المواطن، أمام وسائل الاتصال المفتوحة والإنترنت المتدفقة في كل مكان والهواتف المتطورة، لم يعد يكتفي بأن يرى ما يحدث أمام عينيه دون أن يتفاعل معه، كما لم يعد يقبل أن يكون خارج دائرة القرار عندما يتعلق الأمر بما يمس فضاءه العام وحياته اليومية.
وحتى لا يبحث عن الإجابة خارج مصادرها المعنية، من الضروري تحقيق قدر ممكن من الثقة بين المواطن ومسؤوليه، حتى لا يُترك فريسة للتأويل والاتهام، وحتى لا يتحول غياب المعلومة إلى مادة جاهزة للإشاعة والبلبلة.
وحيدة المي