مع الشروق : فوضى «الفضاء الأزرق» وغياب الضابط
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/07/14
في هذا الفضاء السائب تُرى العجائب والغرائب، حيث لا ضابط للفرد ولا للمجموعة، وكلٌّ يغنّي على ليلاه. فمن الناس من يرفع شعار: إن لم تكن معي فأنت ضدّي، ومنهم من يعتبر كل من لا تتقاطع مصلحته مع مصلحة غيره عدوّا، ومن إذا خالفته الرأي أو الموقف اتهمك بالتعصّب والانقلاب والدسّ والتربّص به شرّا.
وفي قلب هذه الفوضى المفتوحة، أصوات تغرّد خارج السّرب، تصنع عوالمها كما تشاء، وتملأ فضاءها الأزرق بما تراه مناسبا لها، فتقدّمه للعموم وفق قناعاتها واهتماماتها. وهؤلاء، وإن لم ينفعوا، فإنهم في الغالب لا يضرّون غيرهم، لأنهم يتحرّكون داخل دوائر تعنيهم ولا شأن للآخرين بها.
وفي المقابل، هناك من يعرف كلّ شيء، ويفهم في كلّ شيء، ويستوعب أيّ شيء. "يفتي" في السّياسة والفن والدّين والاقتصاد وعلم الذرّة والجيولوجيا والأنثروبولوجيا والأدب، بل وحتّى في عالم النمل ووصفات الطبخ وغيرها. وهؤلاء أشبه بـ"الجوكر"، يرون أنفسهم الورقة الرابحة، وإذا تكلّموا وجب على الجميع الإنصات.
وشقّ آخر لا تفوته شاردة ولا واردة، يتصيّد الزلّات والهفوات والعثرات، ويعتقد أنه يرى ما لا يُرى، ويفهم ما خفي، ويقرأ النوايا قبل أن تُعلن. جاهز دائما للتأويل والتحليل والتكذيب والطعن في كل ما يُقال أو يُنجز أو حتّى ما يُتوقّع أن يُقال أو يُنجز.
وهناك من يعيش على وهم السبق وكشف المستور، مقتنعا بأنه يحتكر الحقيقة، وأنه أوفر الناس فهما، وأقدرهم على إدراك الخفايا، حتّى يدفعه الاستعلاء إلى الاعتقاد بأنه خسارة في هذا البلد، وأنه طاقة مهدورة.
ومن بينهم أيضا من يتربّص بالخطأ حتّى وقوعه. لا شيء يعجبه أو يقنعه أو يرضيه. يشكّك في كل شيء، ويُفتش بين النقطة والفاصلة، ويُشهر أظافره في وجه الجميع، مقتنعا بأن لا شيء يمكن أن ينطلي عليه.
وهؤلاء ليسوا بعيدين عن الشتّامين والنمّامين. لا يسلم منهم قريب ولا بعيد. يملؤون صفحات "الفايسبوك" بقبيح السباب والتنمّر والقدح والثلب، ويسحلون كل من يصرّح برأي أو يكتب موقفا لا ينسجم مع قناعاتهم، فتتجنّد الصفحات الوهمية والمُقنّعة للطعن فيه من كل الجهات، وتكون أصابعهم على الزناد متأهّبة.
والأخطر من ذلك كلّه، الأبواق المأجورة التي تستغل شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما "الفايسبوك"، لخدمة جهات وأطراف مُموِّلة، فتعتمد التسريبات والإشاعات والأخبار المُفبركة والحملات المنظّمة أدوات للهدْم والتأثير، وتعمل على تمرير أجندات خارجية تحت عناوين براقة، مثل حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والحق في الاختلاف وحرية الضمير، دون اعتبار للمصلحة الوطنية.
ويمتلك هؤلاء قدرة كبيرة على الحشْد والتعبئة والتأثير في الرأي العام، والتحالف مع كل من تتعارض مصلحته الخاصة مع مصلحة البلاد، فلا يردعهم ضابط، ولا تحدّهم حدود، سوى السعي إلى شيْطنة كل من يقف في طريقهم أو يكشف نواياهم.
وبمثل هذا الفضاء الاستعراضي الفوْضوي، تحوّل "الفايسبوك" من وسيلة للتواصل والتعبير إلى فضاء يعجّ بالغوغائية واللّغو والعدوانية والحقد والتّشهير والتصيّد والتحيّل، بل أصبح في كثير من الأحيان وسيلة للانقسام والعزلة، عاجزا عن الانضباط حتّى بسلطة القانون.
وحيدة المي
في هذا الفضاء السائب تُرى العجائب والغرائب، حيث لا ضابط للفرد ولا للمجموعة، وكلٌّ يغنّي على ليلاه. فمن الناس من يرفع شعار: إن لم تكن معي فأنت ضدّي، ومنهم من يعتبر كل من لا تتقاطع مصلحته مع مصلحة غيره عدوّا، ومن إذا خالفته الرأي أو الموقف اتهمك بالتعصّب والانقلاب والدسّ والتربّص به شرّا.
وفي قلب هذه الفوضى المفتوحة، أصوات تغرّد خارج السّرب، تصنع عوالمها كما تشاء، وتملأ فضاءها الأزرق بما تراه مناسبا لها، فتقدّمه للعموم وفق قناعاتها واهتماماتها. وهؤلاء، وإن لم ينفعوا، فإنهم في الغالب لا يضرّون غيرهم، لأنهم يتحرّكون داخل دوائر تعنيهم ولا شأن للآخرين بها.
وفي المقابل، هناك من يعرف كلّ شيء، ويفهم في كلّ شيء، ويستوعب أيّ شيء. "يفتي" في السّياسة والفن والدّين والاقتصاد وعلم الذرّة والجيولوجيا والأنثروبولوجيا والأدب، بل وحتّى في عالم النمل ووصفات الطبخ وغيرها. وهؤلاء أشبه بـ"الجوكر"، يرون أنفسهم الورقة الرابحة، وإذا تكلّموا وجب على الجميع الإنصات.
وشقّ آخر لا تفوته شاردة ولا واردة، يتصيّد الزلّات والهفوات والعثرات، ويعتقد أنه يرى ما لا يُرى، ويفهم ما خفي، ويقرأ النوايا قبل أن تُعلن. جاهز دائما للتأويل والتحليل والتكذيب والطعن في كل ما يُقال أو يُنجز أو حتّى ما يُتوقّع أن يُقال أو يُنجز.
وهناك من يعيش على وهم السبق وكشف المستور، مقتنعا بأنه يحتكر الحقيقة، وأنه أوفر الناس فهما، وأقدرهم على إدراك الخفايا، حتّى يدفعه الاستعلاء إلى الاعتقاد بأنه خسارة في هذا البلد، وأنه طاقة مهدورة.
ومن بينهم أيضا من يتربّص بالخطأ حتّى وقوعه. لا شيء يعجبه أو يقنعه أو يرضيه. يشكّك في كل شيء، ويُفتش بين النقطة والفاصلة، ويُشهر أظافره في وجه الجميع، مقتنعا بأن لا شيء يمكن أن ينطلي عليه.
وهؤلاء ليسوا بعيدين عن الشتّامين والنمّامين. لا يسلم منهم قريب ولا بعيد. يملؤون صفحات "الفايسبوك" بقبيح السباب والتنمّر والقدح والثلب، ويسحلون كل من يصرّح برأي أو يكتب موقفا لا ينسجم مع قناعاتهم، فتتجنّد الصفحات الوهمية والمُقنّعة للطعن فيه من كل الجهات، وتكون أصابعهم على الزناد متأهّبة.
والأخطر من ذلك كلّه، الأبواق المأجورة التي تستغل شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما "الفايسبوك"، لخدمة جهات وأطراف مُموِّلة، فتعتمد التسريبات والإشاعات والأخبار المُفبركة والحملات المنظّمة أدوات للهدْم والتأثير، وتعمل على تمرير أجندات خارجية تحت عناوين براقة، مثل حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والحق في الاختلاف وحرية الضمير، دون اعتبار للمصلحة الوطنية.
ويمتلك هؤلاء قدرة كبيرة على الحشْد والتعبئة والتأثير في الرأي العام، والتحالف مع كل من تتعارض مصلحته الخاصة مع مصلحة البلاد، فلا يردعهم ضابط، ولا تحدّهم حدود، سوى السعي إلى شيْطنة كل من يقف في طريقهم أو يكشف نواياهم.
وبمثل هذا الفضاء الاستعراضي الفوْضوي، تحوّل "الفايسبوك" من وسيلة للتواصل والتعبير إلى فضاء يعجّ بالغوغائية واللّغو والعدوانية والحقد والتّشهير والتصيّد والتحيّل، بل أصبح في كثير من الأحيان وسيلة للانقسام والعزلة، عاجزا عن الانضباط حتّى بسلطة القانون.
وحيدة المي