مع الشروق : غلاء الاسعار عدوّ النموّ .. فماذا تنتظر الدولة لمحاربته؟
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/04/24
يُخطئ من يعتقد أنّ غلاء الأسعار سيتحمله المواطن بمفرده وعليه ان يتدبّر أمره لمواجهته. فالغلاء غير الطبيعي الذي تشهده أسعار المواد الغذائية في بلادنا منذ أكثر من شهرين ستكون له ارتدادات وخيمة على الوضع الاقتصادي والتنموي بمفهومه الشامل. فهو سيؤدي الى ارتفاع التضخّم وبالنتيجة الى إضعاف الدّورة الاقتصادية من خلال تعطيل الاستهلاك واضعاف النموّ وارباك المردودية والإنتاجية في العمل.
صحيح ان المواطن بقي طوال الأشهر الماضية وحيدا في مجابهة هذا الغلاء والتضخّم وتحمّل تبعاته بمفرده وقاطع أغلب المنتجات الغذائية من لحوم وغلال واسماك وبعض أصناف الخضر ومنتجات الصناعات الغذائية وقدم التضحيات على حساب الغذاء المتوازن والصحي و"الاستقرار الغذائي".. غير ان ذلك لا يجب ان يحجب التبعات السلبية التي سيُخلّفها ذلك على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي وان يحجب دور الدولة في مجابهتها.
الثابت أن الغلاء غير الطبيعي والفاحش للأسعار أدى آليا في الفترة الأخيرة إلى حالة من "الركود الاستهلاكي" حتى وان لم يلجأ المواطن الى المقاطعة المباشرة. وهذا الركود ستكون له تبعات وخيمة على الدورة الاقتصادية برمتها بما ان الاستهلاك (الطلب الداخلي) يمثل أبرز محركات النمو في كل الدول. وقد قُدرت مساهمته في نسبة النمو في تونس خلال الثلاثي الأخير من سنة 2025، بـ 3.75 نقطة مئوية.
من جهة أخرى، يظهر غلاء الأسعار كأحد أبرز أسباب تراجع المردودية والإنتاجية في العمل. فانشغال العامل او الموظف طوال الوقت وأينما كان (في مقر العمل او في المنزل او في الشارع) بغلاء أسعار المعيشة وبكيفية تدبر امره لتوفير المواد الغذائية حسب مقدرته الشرائية سيؤدي الى تراجع مردوديته في العمل والى تراجع الإنتاجية داخل الدورة الاقتصادية برمتها.
على الصعيد الاجتماعي، لا يمكن ان يمرّ التضخم الناتج عن الغلاء الفاحش وغير الطبيعي للأسعار دون ان يُخلف وراءه ارتدادات اجتماعية. وفي مقدمة ذلك انتشار البطالة نتيجة ضعف الاستثمار، وعدم الاستقرار الاسري والانقطاع المدرسي نتيجة ضعف المقدرة الشرائية لأرباب العائلات، فضلا عما قد يتسبب فيه ذلك من انتشار الجرائم المرتبطة بالأنشطة غير القانونية بالاقتصاد الموازي والتحيل والهجرة غير الشرعية..
في كل الدّول مهما كانت قوتها الاقتصادية يعتبر التضخم (ارتفاع الأسعار) وتآكل القدرة الشرائية "عدوّا لدودا" للنمو. فتراجع الاستهلاك يؤدي الى عزوف الاستثمار ويعطل خلق الوظائف وقد يؤدي الى تسريح العمال. كما إن التضخم المرتفع يدفع عادة بالسلطات لاتخاذ إجراءات تقشفية وانكماشية على غرار رفع نسبة الفائدة البنكية فيتباطأ النمو آليا ويرتبك الوضع الاقتصادي. وهو ما يفسر ما تبذله اغلب الدول الكبرى اليوم لشن حروب قوية على التضخم الداخلي وغلاء الاسعار لانها تعلم جيدا ان ذلك عدوا شرسا للنمو.
لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية مجابهة الغلاء والتضخم وتركه يواجه آثاره بمفرده. وهنا يبرز دور الدولة لتكون في الخط الامامي لمواجهة هذا الغلاء غير الطبيعي ومحاربته بكل الوسائل المتاحة لحماية الاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي. وهي ممكنة وفي المتناول شريطة تحلي السلطات بالجرأة والشجاعة والإرادة لتحقيق ذلك. فما الذي يمنع الدولة من التدخّل لتحديد أسعار بعض المواد عبر المقررات الإدارية وهو ما يسمح به قانون المنافسة والاسعار؟ وما الذي يمنعها من التدخل باستمرار للرفع من الإنتاج او للتوريد حتى يتحسن العرض وتتقلص الأسعار؟ وما الذي يمنعها من التدخل لتحديد هوامش الربح؟ وماذا تنتظر الدولة لفرض رقابة صارمة بقوة القانون والسلطة لردع التجاوزات؟
جملة من التساؤلات ظلت قائمة دون إجابة، وجملة من الحلول بقيت عالقة طوال المدة الأخيرة دون ان تهتدي السلطات المعنية الى أي منها رغم خطورة ما سيترتب عن ذلك في الفترة القادمة، اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا..
فاضل الطياشي
يُخطئ من يعتقد أنّ غلاء الأسعار سيتحمله المواطن بمفرده وعليه ان يتدبّر أمره لمواجهته. فالغلاء غير الطبيعي الذي تشهده أسعار المواد الغذائية في بلادنا منذ أكثر من شهرين ستكون له ارتدادات وخيمة على الوضع الاقتصادي والتنموي بمفهومه الشامل. فهو سيؤدي الى ارتفاع التضخّم وبالنتيجة الى إضعاف الدّورة الاقتصادية من خلال تعطيل الاستهلاك واضعاف النموّ وارباك المردودية والإنتاجية في العمل.
صحيح ان المواطن بقي طوال الأشهر الماضية وحيدا في مجابهة هذا الغلاء والتضخّم وتحمّل تبعاته بمفرده وقاطع أغلب المنتجات الغذائية من لحوم وغلال واسماك وبعض أصناف الخضر ومنتجات الصناعات الغذائية وقدم التضحيات على حساب الغذاء المتوازن والصحي و"الاستقرار الغذائي".. غير ان ذلك لا يجب ان يحجب التبعات السلبية التي سيُخلّفها ذلك على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي وان يحجب دور الدولة في مجابهتها.
الثابت أن الغلاء غير الطبيعي والفاحش للأسعار أدى آليا في الفترة الأخيرة إلى حالة من "الركود الاستهلاكي" حتى وان لم يلجأ المواطن الى المقاطعة المباشرة. وهذا الركود ستكون له تبعات وخيمة على الدورة الاقتصادية برمتها بما ان الاستهلاك (الطلب الداخلي) يمثل أبرز محركات النمو في كل الدول. وقد قُدرت مساهمته في نسبة النمو في تونس خلال الثلاثي الأخير من سنة 2025، بـ 3.75 نقطة مئوية.
من جهة أخرى، يظهر غلاء الأسعار كأحد أبرز أسباب تراجع المردودية والإنتاجية في العمل. فانشغال العامل او الموظف طوال الوقت وأينما كان (في مقر العمل او في المنزل او في الشارع) بغلاء أسعار المعيشة وبكيفية تدبر امره لتوفير المواد الغذائية حسب مقدرته الشرائية سيؤدي الى تراجع مردوديته في العمل والى تراجع الإنتاجية داخل الدورة الاقتصادية برمتها.
على الصعيد الاجتماعي، لا يمكن ان يمرّ التضخم الناتج عن الغلاء الفاحش وغير الطبيعي للأسعار دون ان يُخلف وراءه ارتدادات اجتماعية. وفي مقدمة ذلك انتشار البطالة نتيجة ضعف الاستثمار، وعدم الاستقرار الاسري والانقطاع المدرسي نتيجة ضعف المقدرة الشرائية لأرباب العائلات، فضلا عما قد يتسبب فيه ذلك من انتشار الجرائم المرتبطة بالأنشطة غير القانونية بالاقتصاد الموازي والتحيل والهجرة غير الشرعية..
في كل الدّول مهما كانت قوتها الاقتصادية يعتبر التضخم (ارتفاع الأسعار) وتآكل القدرة الشرائية "عدوّا لدودا" للنمو. فتراجع الاستهلاك يؤدي الى عزوف الاستثمار ويعطل خلق الوظائف وقد يؤدي الى تسريح العمال. كما إن التضخم المرتفع يدفع عادة بالسلطات لاتخاذ إجراءات تقشفية وانكماشية على غرار رفع نسبة الفائدة البنكية فيتباطأ النمو آليا ويرتبك الوضع الاقتصادي. وهو ما يفسر ما تبذله اغلب الدول الكبرى اليوم لشن حروب قوية على التضخم الداخلي وغلاء الاسعار لانها تعلم جيدا ان ذلك عدوا شرسا للنمو.
لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية مجابهة الغلاء والتضخم وتركه يواجه آثاره بمفرده. وهنا يبرز دور الدولة لتكون في الخط الامامي لمواجهة هذا الغلاء غير الطبيعي ومحاربته بكل الوسائل المتاحة لحماية الاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي. وهي ممكنة وفي المتناول شريطة تحلي السلطات بالجرأة والشجاعة والإرادة لتحقيق ذلك. فما الذي يمنع الدولة من التدخّل لتحديد أسعار بعض المواد عبر المقررات الإدارية وهو ما يسمح به قانون المنافسة والاسعار؟ وما الذي يمنعها من التدخل باستمرار للرفع من الإنتاج او للتوريد حتى يتحسن العرض وتتقلص الأسعار؟ وما الذي يمنعها من التدخل لتحديد هوامش الربح؟ وماذا تنتظر الدولة لفرض رقابة صارمة بقوة القانون والسلطة لردع التجاوزات؟
جملة من التساؤلات ظلت قائمة دون إجابة، وجملة من الحلول بقيت عالقة طوال المدة الأخيرة دون ان تهتدي السلطات المعنية الى أي منها رغم خطورة ما سيترتب عن ذلك في الفترة القادمة، اجتماعيا واقتصاديا وتنمويا..
فاضل الطياشي