مع الشروق : عيد الشغل وثقافة العمل

مع الشروق : عيد الشغل وثقافة العمل

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/05/01

في تونس مثّل العمل على مرّ التاريخ قوة راسخة لا غنى عنها في البناء التنموي والاجتماعي. ففي بلد لا تتوفر فيه موارد طبيعية كبرى أو ثروات تضاهي ثروة النفط او الغاز او الذهب كان من الطبيعي ان يكون الخيار منذ السنوات الأولى للاستقلال واضحا وهو تعويل الدولة على ثروتها البشرية، كل من موقعه، لتحقيق النمو المنشود في شتى المجالات وفي القطاعين العام والخاص.
من الطبيعي ان يستحضر التونسيون يوم غرة ماي من كل عام هذا الموروث المُجتمعي والاقتصادي ضمن احتفالاتهم بالعيد العالمي للشغل في تأكيد على أهمية وقيمة العمل كرافعة تنموية واجتماعية لا غنى عنها في بلادنا. وهو ما يؤكد أيضا الحاجة المستمرة لإيلاء موضوع العمل أهمية بالغة على عديد المستويات حتى لا تفقد بلادنا هذه الثروة الهامة المتأصلة بين أبناء الشعب.
وقد مكن خيار التعويل على قيمة وقداسة العمل في تونس، خاصة بعد الاستقلال، من تكوين قوة عاملة في القطاع العام، من العامل الى الموظف وصولا إلى الكفاءات العليا بفضل الاهتمام بالتعليم والتكوين المهني.. وهو ما ساهم في بناء أسس الدولة الحديثة وركائز المقومات الإدارية والاقتصادية والتنموية والاجتماعية في البلاد من خلال إدارة قوية تضم مهارات وكفاءات في شتى المجالات.
وفي القطاع الخاص اصبحت تونس من بين الدول التي ترسخت فيها ثقافة العمل  والمبادرة والاجتهاد. فالعمل في تونس لم يعد مجرد مسؤولية تتحملها الدولة تجاه مواطنيها بل تحول الى واجب اجتماعي يبادر بخلقة المواطن دون انتظار توفيره من الدولة، وهو ما يفسر ظهور قطاع خاص متماسك وقوي بفضل المبادرات الخاصة والأعمال الحرة في شتى المجالات.
غير ان الاحتفال بالعيد العالمي للشغل لا يجب ان يمر دون أن نعيد طرح ذلك السؤال المحوري الذي طالما تردد على لسان كل تونسي: أي شغل نحتفل بعيده؟ وهو السؤال الذي تتفرع عنه تساؤلات أخرى ذات علاقة بثقافة العمل والمردودية والإنتاجية في العمل وذات علاقة أيضا بمشكل البطالة ومسؤولية الدولة والمجتمع للحدّ منها ومن تداعياتها وبظروف العمل والأجور..
في السنوات الأخيرة بدت ثقافة العمل وكأنها في تراجع شيئا فشيئا، ونتج عن ذلك تراجع المردودية والانتاجية في العمل وهو ما القى بظلاله على الوضع الاقتصادي والتنموي في البلاد. كما تراجعت ايضا روح المبادرة الخاصة وحل محلها التعويل على الدولة ومطالبتها بتوفير مواطن شغل في القطاع العام. وبالتوازي ظهرت أيضا ثقافة «الربح السريع والوفير» إما عبر الأنشطة الممنوعة او البحث عن الهجرة السرية الى الخارج أو «الشغل الالكتروني».
وقد اثبتت التجربة في عديد الدول ان ثقافة العمل - التي يتحمل مسؤوليتها اساسا الفرد - كانت عاملا أساسيا في تحفيز البناء الاجتماعي والتطور الاقتصادي والتنموي وهو ما يحمل المواطن مسؤولية. غير ان الدولة تتحمل الدولة جانبا من المسؤولية في تطوير ثقافة العمل وذلك عبر تحسين ظروف ومناخ العمل والأجور وعبر عدة حلول وآليات إدارية وقانونية للتشجيع المبادرة الخاصة ولتحفيز القوى العاملة حتى ترفع من مردوديتها ومن انتاجيتها وتساهم في تحسين أداء الاقتصاد الوطني.
 فبذلك يمكن استرجاع ثقافة العمل المهددة وتطويرها وتحسين الإنتاج والإنتاجية والمردودية وتحقيق الفائدة المرجوة اقتصاديا وتنمويا واجتماعيا وتخليص البلاد من «ثقافة» التواكل والتهاون والتراخي في العمل التي استفحلت كثيرا في الأعوام الأخيرة وأصبحت أبرز معطل للنمو في البلاد..
فاضل الطياشي

تعليقات الفيسبوك