مع الشروق : عندما يعود المجرم لطمس معالـم جريمته!

مع الشروق : عندما يعود المجرم لطمس معالـم جريمته!

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/08/26

عادة ما يعود المجرم إلى مكان جريمته ليعاين ويدقق عساه أهمل بعض التفاصيل أو يعثر على بقايا أدلة إدانة تستوجب الطمس والإزالة.. والكيان الصهيوني وهو أكبر المجرمين على مدى العصور والدهور دأب على العودة إلى مكان جريمته يجول فيه بالطول وبالعرض ويحرص على إزالة كل آثار الجريمة وعلى طمس كل المعالم والدلائل التي يمكن أن تشير إلى الجريمة أو حتى تذكّر بها.. ويوم أمس صال الكيان وجال في القدس ليتذكر أن منظمة «الانروا» التي تقوم على شؤون اللاجئين الفلسطينيين هي منظمة متطرّفة منتسبوها يدعمون الإرهاب.. وهي تهمة تستوجب إغلاق مقرّاتها في القدس وإنهاء مهامها على كامل أراضي فلسطين المحتلة...
لماذا استهداف مقرّات «الانروا» في القدس المحتلة وفي هذا التوقيت بالذات؟ وللاجابة عن هذا السؤال الحارق نقول بأن الكيان الصهيوني يعرف في قرارة نفسه أنه ارتكب جريمة الدهر في حق الشعب الفلسطيني.. لذلك هو ما فتئ يعمل على إزالة وطمس كل آثار الجريمة.. وكل ما من شأنه أن يشكل شاهدا عليها وأن يذكر بالمأساة الكبرى.. مأساة النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني عندما عمدت عصابات الإرهاب الاستيطاني إلى اقتلاع شعب من جذوره واستبداله بقطعان من المستوطنين الذين استجلبوا من كل بقاع الأرض.
بعد النكبة بقيت مخيمات الشتات ومخيمات اللاجئين شاهدة على العصر.. وبقيت معها بعض المؤسسات والمنظمات الأممية التي بعثت لذرّ بعض الرماد في عيون الشعب الفلسطيني وفي عيون شعوب العالم على أساس أن البشرية لم تفقد إنسانيتها بالكامل وأنها تعمل على التخفيف من وضع مأساة النكبة على ملايين البشر... لكن وجود هذه المؤسسات والمنظمات على عجزها وقلّة إمكانياتها وعلى ضيق مجالات تدخلها تشكل ازعاجا كبيرا وصداعا حقيقيا للكيان.. فهي تحيل إلى الجريمة من جهة وهي تعطي اللاجئين جرعات أكسيجين تبقيهم على قيد الحياة من جهة أخرى.. وفي شرع الصهاينة فإن الفلسطيني الجيّد هو الفلسطيني الميت وهو كذلك الفلسطيني الذي يقبل بالتهجير  ويؤثر الهرب بحياته بعيدا، بعيدا عن أرض أبائه وأجداده.
لذلك ركّز الصهاينة في عدوانهم المدمّر على قطاع غزّة إثر «طوفان الأقصى» على استهداف كل وجود وكل أثر وكل تأثير لمنظمة «الانروا» بالخصوص بصفتها تدير مستشفيات ومدارس وتشرف على إدارة شؤون اللاجئين وتسدي لهم حدّا أدنى من الخدمات يكفي فقط لإبقائهم على قيد الحياة.. وتاريخ هذا العدوان الهمجي بما شهده من إبادة للبشر وللحجر وللشجر يحفظ أعداد شهداء المنظمات الأممية العاملة في القطاع كما يحفظ عدد مقرّاتها المدمّرة وعدد مستشفياتها المستهدفة وعدد كوادرها التي تمت تصفيتها.. وبذلك ومع القصف اليومي ومع تضييقات الاحتلال وحصاره الخانق.. ومع كل إجراءات العقاب الجماعي التي تحرم سكان القطاع من أبسط حقوق وأسباب الحياة فإن الكيان اطمأن إلى أن مسألة كسر إرادة أبناء القطاع والقذف بهم خارج غزة لم تعد إلا مسألة وقت ليقبل حوالي مليوني مواطن على تغريبة جديدة تمكن الصهاينة من بسط سيطرتهم على الأرض وبالتالي من قطع خطوات إضافية على درب تحقيق «يهودية الدولة»؟.
ماذا يبقى بعد طيّ صفحة القطاع؟ تبقى الضفة.. لذلك تشهد في الفترة الأخيرة حملة ممنهجة لقطع أسباب الحياة عن سكان الضفة ودفعهم أيضا إلى تغريبة جديدة.. الحملة تنفذها الأجهزة الصهيونية من قوات جيش وأمن بتوزيع أدوار محكم مع قطعان المستوطنين الذين اندفعوا تحت حماية الجيش والشرطة في حملات مسعورة لمصادرة الأراضي وتدمير المحاصيل وطرد الفلسطينيين من ديارهم... والحملة تنفذها كذلك قوات الاحتلال باستهداف ما بقي من منظمات ومؤسسات أممية تشكل شاهدا على العصر وتمدّ الفلسطينيين ببعض أسباب الحياة، وفي هذا السياق يأتي استهداف مقر «الانروا» في القدس المحتلة يوم أمس بهدف إخلاء المقر وإقصاء آخر رئة يتنفس بها الفلسطينيون والتي بإقصائها سوف تزداد الأوضاع سوءا وسوف تقطع على الفلسطينيين المزيد من سبل وأسباب الحياة.. وبذلك لا يبقى أمامهم، شأنهم شأن سكان غزة، غير طريق الهجرة إلى خارج أرض فلسطين.. وبذلك يقطع الصهاينة خطوة كبرى على درب تكريس «يهودية الدولة» التي ستكون المنطلق الفعلي لإقامة ما يسمى «اسرائيل الكبرى».. وتلك قصة أخرى لن تستثني أحدا وسوف تشمل أراضي 8 دول عربية بالتمام والكمال التي سوف تقتطع أجزاء هامة من أراضيها بغية «توسيع رقعة اسرائيل الضيقة» كما صرّح بذلك ترامب.. 
أيها النائمون، المتخاذلون، المطبّعون العرب، ناموا.. فلا «فتحت أعين الجبناء»!!
عبد الحميد الرياحي
 

تعليقات الفيسبوك