مع الشروق : علـى الباغــي تـــدور الدوائـــر
تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/25
على امتداد عقود طويلة، كان يُنظر إلى الموقف من الكيان الصهيوني داخل العواصم الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة، باعتباره أحد الخطوط الحمراء التي يصعب على السياسيين تجاوزها دون دفع ثمن انتخابي باهظ، فقد نجحت إسرائيل، مدعومة بشبكات نفوذ سياسية وإعلامية ومالية واسعة، في ترسيخ صورة ذهنية لدى جزء كبير من الرأي العام الغربي تقوم على خطاب المظلومية التاريخية واعتبارها كذبا "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" في إطار تزييف الوعي. غير أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة، ولا سيما إبان العدوان الغاشم على غزة، أعادت تشكيل المشهد السياسي والفكري في الغرب على نحو غير مسبوق، فنتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي في نيويورك، والتي شهدت هزيمة النائب المؤيد لإسرائيل دان جولدمان أمام براد لاندر، الحليف السياسي للعمدة زهران ممداني، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد منافسة انتخابية محلية.
من الثابت أن هذا المتغير السياسي، مؤشر جديد على تحولات أعمق تجري داخل المجتمع الأمريكي، وعلى تراجع فاعلية الخطاب التقليدي الذي لطالما منح الكيان الغاصب حصانة سياسية وأخلاقية داخل الساحة الغربية.
اللافت في هذه الانتخابات أن الفائز والخاسر ينتميان إلى الخلفية اليهودية نفسها، وهو ما يسقط محاولة اختزال الموقف من إسرائيل في ثنائية دينية أو عرقية، فالمسألة لم تعد مرتبطة بالهوية، بل بالموقف من السياسات التي تنتهجها الحكومة الصهيونية الفاشية، فعندما يصف سياسي أمريكي يهودي ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، ويحصد في الوقت نفسه دعما انتخابيا متزايدا، فإن ذلك يعكس تغيرا حقيقيا في المزاج العام، خاصة لدى الأجيال الشابة.
لقد أدت الصور القادمة من غزة، وحجم الدمار والخسائر البشرية، إلى إحداث شرخ واسع بين الرواية الرسمية التي روّجت لها الحكومات الغربية لعقود وبين ما يراه المواطن الغربي يوميا على شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، فلأول مرة منذ عقود، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها قادرة على تشكيل الوعي العام أو التحكم في تدفق المعلومات، فوسائل التواصل الاجتماعي فتحت المجال أمام روايات وصور وشهادات مباشرة ساهمت في إعادة صياغة نظرة ملايين الأشخاص إلى القضية الفلسطينية العادلة. ضمن هذا المستوى، يمكن فهم الصعود السياسي لشخصيات مثل زهران ممداني وبراد لاندر وغيرهما من الوجوه الجديدة التي لا ترى في انتقاد الكيان المحتل مخاطرة سياسية كما كان الحال في السابق، بل إن ما كان يُعتبر عبئا انتخابيا بدأ يتحول تدريجيا إلى عنصر قوة لدى فئات واسعة من الناخبين، خصوصا الشباب والجامعيين والأقليات، الذين أصبحوا أكثر حساسية تجاه قضايا العدالة وحقوق الإنسان وأقل استعدادا لقبول ازدواجية المعايير. رغم احتفاظ إسرائيل بدعم قوي داخل دوائر القرار الغربية، وامتلاك جماعات الضغط المؤيدة لها نفوذا مهما في السياسة والإعلام والاقتصاد، غير أن المؤكد أن المعادلة لم تعد كما كانت، فالسؤال الذي كان يُطرح سابقا حول قدرة السياسي على الفوز إذا انتقد إسرائيل، بدأ يتحول شيئاً فشيئا إلى سؤال معاكس، حول قدرة السياسيين الاستمرار في تجاهل الرأي العام الغاضب من سياسات إسرائيل دون دفع ثمن انتخابي باهظ. إن ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية لا يعكس فقط تحولا في الموقف من الكيان الصهيوني المجرم، بل يعبر أيضا عن أزمة ثقة متنامية بين الشعوب والنخب السياسية التقليدية، فالمواطن الغربي بات أكثر ميلا إلى مساءلة السياسات الخارجية لبلاده وإلى رفض الانحياز غير المشروط الذي طبع المواقف الرسمية لعقود طويلة. لاشكّ أن الموقف من إسرائيل أصبح ضمن المحددات الهامة للانتصار السياسي في الغرب، وعاملا انتخابيا متعاظم التأثير، والأهم من ذلك أنه لم يعد من المسلمات التي لا يجوز الاقتراب منها، فقد دخلت القضية الفلسطينية، لأول مرة منذ زمن طويل، قلب النقاش السياسي الغربي الداخلي، وأصبحت معيارا أخلاقيا يقيس من خلاله كثيرون صدقية الخطابات المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة الدولية. التحولات التي نشهدها اليوم قد لا تكون مجرد نتائج انتخابية عابرة، بل مؤشرات على بداية مرحلة جديدة يتراجع فيها تأثير السرديات القديمة، ويصعد فيها جيل سياسي مختلف، أكثر جرأة في نقد الكيان الصهيوني وأكثر استعدادا للإنصات إلى ما تقوله الشعوب لا إلى ما تريده جماعات الضغط والنفوذ.
هاشم بوعزيز
على امتداد عقود طويلة، كان يُنظر إلى الموقف من الكيان الصهيوني داخل العواصم الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة، باعتباره أحد الخطوط الحمراء التي يصعب على السياسيين تجاوزها دون دفع ثمن انتخابي باهظ، فقد نجحت إسرائيل، مدعومة بشبكات نفوذ سياسية وإعلامية ومالية واسعة، في ترسيخ صورة ذهنية لدى جزء كبير من الرأي العام الغربي تقوم على خطاب المظلومية التاريخية واعتبارها كذبا "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" في إطار تزييف الوعي. غير أن التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة، ولا سيما إبان العدوان الغاشم على غزة، أعادت تشكيل المشهد السياسي والفكري في الغرب على نحو غير مسبوق، فنتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي في نيويورك، والتي شهدت هزيمة النائب المؤيد لإسرائيل دان جولدمان أمام براد لاندر، الحليف السياسي للعمدة زهران ممداني، لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد منافسة انتخابية محلية.
من الثابت أن هذا المتغير السياسي، مؤشر جديد على تحولات أعمق تجري داخل المجتمع الأمريكي، وعلى تراجع فاعلية الخطاب التقليدي الذي لطالما منح الكيان الغاصب حصانة سياسية وأخلاقية داخل الساحة الغربية.
اللافت في هذه الانتخابات أن الفائز والخاسر ينتميان إلى الخلفية اليهودية نفسها، وهو ما يسقط محاولة اختزال الموقف من إسرائيل في ثنائية دينية أو عرقية، فالمسألة لم تعد مرتبطة بالهوية، بل بالموقف من السياسات التي تنتهجها الحكومة الصهيونية الفاشية، فعندما يصف سياسي أمريكي يهودي ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، ويحصد في الوقت نفسه دعما انتخابيا متزايدا، فإن ذلك يعكس تغيرا حقيقيا في المزاج العام، خاصة لدى الأجيال الشابة.
لقد أدت الصور القادمة من غزة، وحجم الدمار والخسائر البشرية، إلى إحداث شرخ واسع بين الرواية الرسمية التي روّجت لها الحكومات الغربية لعقود وبين ما يراه المواطن الغربي يوميا على شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي، فلأول مرة منذ عقود، لم تعد وسائل الإعلام التقليدية وحدها قادرة على تشكيل الوعي العام أو التحكم في تدفق المعلومات، فوسائل التواصل الاجتماعي فتحت المجال أمام روايات وصور وشهادات مباشرة ساهمت في إعادة صياغة نظرة ملايين الأشخاص إلى القضية الفلسطينية العادلة. ضمن هذا المستوى، يمكن فهم الصعود السياسي لشخصيات مثل زهران ممداني وبراد لاندر وغيرهما من الوجوه الجديدة التي لا ترى في انتقاد الكيان المحتل مخاطرة سياسية كما كان الحال في السابق، بل إن ما كان يُعتبر عبئا انتخابيا بدأ يتحول تدريجيا إلى عنصر قوة لدى فئات واسعة من الناخبين، خصوصا الشباب والجامعيين والأقليات، الذين أصبحوا أكثر حساسية تجاه قضايا العدالة وحقوق الإنسان وأقل استعدادا لقبول ازدواجية المعايير. رغم احتفاظ إسرائيل بدعم قوي داخل دوائر القرار الغربية، وامتلاك جماعات الضغط المؤيدة لها نفوذا مهما في السياسة والإعلام والاقتصاد، غير أن المؤكد أن المعادلة لم تعد كما كانت، فالسؤال الذي كان يُطرح سابقا حول قدرة السياسي على الفوز إذا انتقد إسرائيل، بدأ يتحول شيئاً فشيئا إلى سؤال معاكس، حول قدرة السياسيين الاستمرار في تجاهل الرأي العام الغاضب من سياسات إسرائيل دون دفع ثمن انتخابي باهظ. إن ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية لا يعكس فقط تحولا في الموقف من الكيان الصهيوني المجرم، بل يعبر أيضا عن أزمة ثقة متنامية بين الشعوب والنخب السياسية التقليدية، فالمواطن الغربي بات أكثر ميلا إلى مساءلة السياسات الخارجية لبلاده وإلى رفض الانحياز غير المشروط الذي طبع المواقف الرسمية لعقود طويلة. لاشكّ أن الموقف من إسرائيل أصبح ضمن المحددات الهامة للانتصار السياسي في الغرب، وعاملا انتخابيا متعاظم التأثير، والأهم من ذلك أنه لم يعد من المسلمات التي لا يجوز الاقتراب منها، فقد دخلت القضية الفلسطينية، لأول مرة منذ زمن طويل، قلب النقاش السياسي الغربي الداخلي، وأصبحت معيارا أخلاقيا يقيس من خلاله كثيرون صدقية الخطابات المتعلقة بحقوق الإنسان والعدالة الدولية. التحولات التي نشهدها اليوم قد لا تكون مجرد نتائج انتخابية عابرة، بل مؤشرات على بداية مرحلة جديدة يتراجع فيها تأثير السرديات القديمة، ويصعد فيها جيل سياسي مختلف، أكثر جرأة في نقد الكيان الصهيوني وأكثر استعدادا للإنصات إلى ما تقوله الشعوب لا إلى ما تريده جماعات الضغط والنفوذ.
هاشم بوعزيز