مع الشروق : صيف ..مكلف !

مع الشروق : صيف ..مكلف !

تاريخ النشر : 07:00 - 2026/06/15

ما إن يطل الصيف حتى تتزاحم المواعيد على رزنامة العائلات التونسية ..موسم الأعراس يفتح أبوابه، والمهرجانات تشعل أضواءها، والشواطئ تستقبل روّادها، فيما تستعد آلاف الأسر لاستقبال نتائج الباكالوريا وبقية الامتحانات الوطنية بما تحمله من أفراح النجاح وآمال المستقبل، غير أن سؤالا بات يفرض نفسه بقوة على موائد التونسيين وفي أحاديثهم اليومية: كم أصبح ثمن الفرح في هذا البلد؟
فالصيف الذي كان في الذاكرة الجماعية فصل الراحة والبهجة والفرحة تحول لدى كثيرين إلى موسم للحسابات الدقيقة...حسابات تبدأ من مصاريف عيد الأضحى الذي لم يمر على العائلات مرورا عابرا هذا العام  ، ولا تنتهي عند الاستعداد المبكر لمصاريف العودة المدرسية التي تلوح في الأفق، وكأن الأسرة التونسية انتقلت من محطة إنفاق إلى أخرى دون أن تجد فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس.
وفي الأثناء، تتوالى المناسبات السعيدة التي يفترض أن تجمع الناس حول الفرح.. أعراس تتطلب ميزانيات متزايدة عاما بعد عام، وحفلات نجاح ينتظرها الأبناء بعد أشهر طويلة من التعب والاجتهاد، وسهرات ومهرجانات أصبحت بالنسبة إلى البعض ترفا لا قدرة لهم عليها. وحتى العطلة الصيفية البسيطة التي كانت في متناول شرائح واسعة من التونسيين، أصبحت تحتاج إلى حسابات معقدة أمام ارتفاع أسعار الإقامة والتنقل والخدمات.
وما يزيد الإحساس بالضغط أن كثيرا من التونسيين يقارنون بين صيف الأمس وصيف اليوم. فقد كان الفرح أبسط وأقل كلفة، وكانت العائلات تكتفي بالقليل فتشعر بالكثيرمن الفرح والمتعة  ... رحلة قصيرة إلى البحر، نزهة عائلية، سهرة هادئة بين الأقارب، أو عرس متواضع يجمع الأحبة والجيران، كانت كافية لصناعة ذكريات جميلة تبقى عالقة في الوجدان. لم تكن السعادة تحتاج إلى كل هذا الإنفاق، ولا كانت المناسبات تُقاس بحجم ما يُصرف عليها.
أما اليوم، فقد تسللت إلى حياتنا ثقافة المظاهر، وأصبح البهرج يطغى أحيانا على المعنى الحقيقي للفرح ، وصارت بعض المناسبات أشبه بمنافسة غير معلنة في الإنفاق والاستعراض، وتحول ما كان بسيطا وعفويا إلى عبء ثقيل يرهق الأسر ويثقل كاهلها. وبين ارتفاع الأسعار وضغط مصاريف الاستجمام ، وجد كثيرون أنفسهم مطالبين بما لا تسمح به إمكاناتهم، خوفًا من أن يظهروا أقل من غيرهم.
 التونسي لا يطلب المستحيل ولا يبحث عن رفاهية مفرطة ولا عن بذخ استثنائي. كل ما يريده هو نصيب معقول من الحياة يوم على البحر مع العائلة، عرس كريم لابن أو ابنة، احتفال متواضع بنجاح طال انتظاره، أو سهرة فنية تعيد إليه شيئا من البهجة. لكن هذه التفاصيل الصغيرة التي كانت يوما من بديهيات الحياة أصبحت بدورها خاضعة لمنطق الكلفة والقدرة الشرائية.
في هذا الصيف المكلف، وبين مصاريف العيد، وأفراح النجاح، ومواسم الأعراس، والاستعداد للدراسة، يبدو أن التحدي الأكبر ليس فقط في توفير المال، بل في المحافظة على تلك المساحة الصغيرة من البهجة التي تمنح للحياة طعمها ومعناها. فالأوطان القوية لا تُقاس فقط بما تنتجه من ثروة، بل أيضا بقدرة مواطنيها على الفرح دون خوف من فاتورة تنتظرهم في نهاية الطريق.
راشد شعور

تعليقات الفيسبوك